كَانَ المُسْلِمُونَ يعلمون حُبَّ النَّبيِّ - ﷺ - لأمِّ المؤمنين عَائِشَةَ - ﵂ -؛ فقد صرَّح بأنَّها أحبُّ النَّاس إليه. فكان أَحَدهمْ إذا أراد أن يهدي هَدِيَّةً إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ أهدى إليه، طلبًا لسروره ورضاه، روى الشّيخان عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ الله - ﷺ - " (^٢).
فحملت الغيرة بعض أزواج النَّبيِّ - ﷺ - أن يطلبْنَ مِنه المساواة في المحبَّة، وأن يأمر النَّاس بأن يهدوا لَه حيث كان. وكلا الأمرين لا يجب على النَّبيِّ - ﷺ -، فمحبّة القلب لا يملكها النَّبيُّ - ﷺ -، أمَّا طلب الهديَّة فما كان النَّبيُّ - ﷺ - أن يطلب ذلك مِنْ أصحابه - ﵃ -؛ لأنَّه ينافي كماله - ﷺ -.
فأرسلْنَ فاطمة - ﵂ - لعظيم منزلتها عنده - ﷺ -، فكلَّمته، فقال لها - ﷺ -: "أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ" يعني عائشة - ﵂ -.
روى الشَّيخان عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَتْ: " أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ
_________________
(١) ابن حبّان "التّعليقات الحسان " (ج ١٠/ص ١٩٤/رقم ٧٠٦٣) وقال الألباني: صحيح.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (م ٢/ج ٣/ص ١٣١) كتاب الهبة، ومسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ" (م ٨/ج ١٥/ص ٢٠٥) كتاب فضائل الصّحابة.
[ ٤٧ ]
- ﷺ - فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لها، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لها رَسُولُ الله - ﷺ -:أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ.
قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ الله، فَقُلْنَ لها: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ العَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَالله لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي المَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لله وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً (^١) مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الفَيْئَةَ (^٢)، قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَرَسُولُ الله - ﷺ - مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ العَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ الله - ﷺ -، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا، قَالَتْ:
_________________
(١) سُرْعة غضب.
(٢) الرّجوع، تريد أنّها سرعان ما ترجع ويزول عنها الغضب.
[ ٤٨ ]
فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ الله وَتَبَسَّمَ: إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ " (^١). وفي الحديث وُجُوْب مَحبَّة عائشة - ﵂ - عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لقوله - ﷺ - لابنته فاطمة - ﵂ - بصيغة الأمر:"فَأَحِبِّي هَذِهِ" أي عائشة - ﵂ -.