قد يسأل سائل: لماذا لم تكن براءة عائشة - ﵂ - وحيًا على قلب رسول الله - ﷺ - أو رؤيا رآها، وإنَّما وحيًا يُتْلَى؟!
والجواب: جاءت براءَتها محكمةً في كتاب الله تعالى حتَّى تكون براءةُ عائشة - ﵂ - ثابتةً قطعًا لا ظنًّا، والمؤمنون إذا تليت عليهم آيات الله تعالى تزيدهم إيمانًا، كما قال - ﷻ -: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ (^١) إِيمَانًا (٢)﴾ [الأنفال].
أمَّا المنافقون الَّذين على قلوبهم أغطية وفي آذنهم صَمَمٌ، فلو جئتهم بكلِّ آية لا يؤمنون بها، ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة].
فحتَّى يومنا هذا هناك مَنْ يَصْرِفُ الآياتِ عن براءة عائشة - ﵂ -، ويزعم أنَّها نزلت في براءة مارية - ﵂ - ممَّا رمتها به عائشة - ﵂ -، وهذا كلام غليظ تَنْبُو عنه
_________________
(١) إسناد زيادة الإيمان إلى الآيات مجاز عقليّ، لأنَّ الآيات ليست هي الَّتي تزيد الإيمان حقيقة، وإنَّما هي سَبَبٌ، والمعنى أنَّ الله تعالى زادهم إيمانًا بسبب الآيات، فهو من باب التَّجوُّز في الإسناد.
[ ٩٢ ]
الأسماع، وعليه جفوة أشدُّ مِنْ جَفْوةِ الجاهليَّة.
أمَّا مارية أمّ ولد رسول الله - ﷺ - فلا تُتَّهم بشيء، والنَّبيُّ - ﷺ - تزوَّجها في السَّنة السَّابعة من الهجرة، وحديث الإفك كان في السَّنة الخامسة من الهجرة، فكيف تنزل الآيات فيها، وهي مقيمة على دين قومها، ولا علم له - ﷺ - ولا علم لعائشة - ﵂ - بها؟! فما ذاك إلَّا من التَّجنِّي.
أيضًا الَّذين جاؤوا بالإفك جماعة، فألفاظ القرآن تدلُّ على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾.
أيضًا القاذف رجل وليس امرأة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النّور].
وقد نقل ابن الجوزيّ إجماع أهل السُّنَّة على أنَّها نزلت في براءة عائشة - ﵂ -، قال: "أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة - ﵂ -، وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في قصَّة عائشة " (^١).
ونقل ابن أبي الحديد التَّواتر على أنَّها نزلت في عائشة - ﵂ -، قال:"وجَحْدهم لإنزالِ ذلك في عائشة جَحْدٌ لما يُعْلَمُ ضرورة من الأخبار المتواترة" (^٢).
فإيَّاك أنْ تعود لمثل كلام ابن أبيّ بعد نزول القرآن صريحًا في بَراءة عائشة
_________________
(١) ابن الجوزيّ "زاد المسير" (م ٥/ص ٣٤٧).
(٢) ابن أبي الحديد "شرح نهج البلاغة" (م ٤/ص ٣٠١).
[ ٩٣ ]
فَتَجِب لك النَّار، فبراءة عائشة نتعبّد الله تعالى بها في كتاب الله تعالى، وهذا الكلام لا ينبري لمعاداته، ولا يجترئ على ردِّه ومجاراته، ولا ينكره إلّا مَن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت].
ولكن لمن تقول هذا، فمن الخلق مَنْ لا يَذْهَنُ شَيْئًا، ولا يَعِي رأيًا، وَلا يفقه قَوْلًا، ولا يُبْصرُ شيئًا ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا (١٧٩)﴾ [الأعراف].