ومَا زال هناك مَنْ يَطْعَنُ في اجتهاد أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ - وخروجها للإصلاح، ويجمع أقوال أعلام مِنْ علماء المسلمين يَرَوْنَ أنَّها أخطأت في اجتهادها؛ ليبيح الطَّعن بها.
قلنا: هَبْ أنَّ عائشة - ﵂ - أخطأتْ في اجتهادِها، فهل الخطأ في الاجتهادِ يُبِيْحُ الطَّعْنَ بها؟! الجواب: لا قطعًا؛ فقد عفا الله تعالى عن المخطئ في اجتهاد، قال - ﷻ -: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال].
_________________
(١) رواه البزَّار ورجاله ثقات، كذا قَال الهيثمي في "مجمّع الزّوائد" (ج ٧/ص ٢٣٤/رقم ١٢٠٢٦) والحافظ في " الفتح " (م ١٣/ص ٤٥)، وصحّحه الألباني في " الصّحيحة " (ج ١/ص ٨٥٣/رقم ٤٧٤).
(٢) اليعقوبي " تاريخ اليعقوبي " (م ٢/ص ٨١).
[ ١٣٠ ]
وفي هذه الآية أقوال منها: أي لولا حُكْمٌ مِنَ الله مَضَى وانْقَضَى وسبق إثباته في اللَّوح المحفوظ، بأنْ لا يُعَذِبَ مخطئًا في اجتهاد، لأصابكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم.
وقد أخبر الله تعالى - في خواتيم سورة البقرة - أنَّه قد تجاوز عن النِّسيان، وعن الخطأ، ومنه الخطأ في الاجتهاد، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (٢٨٦)﴾ [البقرة] وقد أخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ الله تعالى، قال: " قد فعلت".
فقد روى مسلم مِن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (٢٨٤)﴾ [البقرة].
قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شيءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شيء، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا. قَالَ: فَأَلْقَى الله الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا (٢٨٦)﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ" (^١).
وهذا الدُّعاء الَّذي علَّم اللهُ به النَّبيَّ - ﷺ - وأصحابه دُعَاءَه، فيه ثناءٌ على
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم بشرح النَّووي" (م ١/ج ٢/ص ١٤٦) كتاب الإيمان.
[ ١٣١ ]
الصَّحابة، فهو يظهر حسن السَّمع والطَّاعة. وقد جعله الله تعالى في كتابه لبيان ما كان عليه أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - مِنَ المسارعة إلى الانقياد والخضوع لله تعالى والتَّسليم للرَّسولِ - ﷺ -، وليكون دُعَاءَ مَنْ يأتي بعدهم مِنَ التَّابعين.
وانظر كيف أثنى الله تعالى على سيِّدنا سليمان - ﵇ - وحمده بصوابه، وعذر سيِّدنا داود - ﵇ - وعفا عنه باجتهاده، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٩)﴾ [الأنبياء].
وإنَّما قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ حتَّى لا يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ الله تعالى قد آخَذَ داود - ﵇ - باجتهاده، ولذلك مدحهما وأثنى عليهما معًا، وساوى بينهما بالحُكْم والعِلْم، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية]. فالخطأ فيما فيه اجتِهاد سَائِغ ليس مسوِّغًا للطَّعن في صاحبه، ولا لإطلاق الألسن في جانبه.
لكن مِنَ النَّاس مهما شددت لهم عُرَى الكلام، وجئت ببيِّنة وبرهان، فإنَّ جُهْدَك زائِل، ولا يحلَّى بطائِل، كمضيء الشَّمع في قاعَةِ العميان، أو كقارع الطَّبل في قاعة الطُّرشان.