كان النَّبيُّ - ﷺ - قد أخبر عائشة - ﵂ - عن هذا المسير، فلمَّا تذكَّرت ذلك همَّت بالرّجوع إلَّا أنَّ مَنْ مَعَها ثَنَاها عن عَزْمها؛ لما يرجون في خروجها ومِنْ رؤية النَّاس لها من خير وإصلاح بين النَّاس، روى أحمد بسند صحيح عن قيس، قَال: "لمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الكِلَابُ، قَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: مَاءُ الْحَوْأَبِ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: بَلْ تَقْدمِينَ فَيَرَاكِ المُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ - ﷿ - ذَاتَ بَيْنِهِمْ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: "كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ (^١)؟ " (^٢).
_________________
(١) ماءٌ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ، بين البصرة ومكّة.
(٢) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٢٧٣/رقم ٢٤١٣٥) وإسناده صحيح .. ورواه ابن حبَّان وصحّحه الألباني في " التّعليقات الحسان " (ج ٩/ص ٣٩٩/رقم ٦٦٩٧)، وهو في "الصّحيحة" (م ١/ص ٢٢٣/رقم ٤٧٥)، ورواه أبو يعلى في " مسند أبي يعلى الموصلي " (ج ٨/ص ٢٨٢/رقم ٤٨٦٨) وقال المحقّق: إسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (ج ٣/ص ١٢٠) ولم يقع في المطبوع منه التّصريح بالتّصحيح منه ولا من الذّهبي، وقد يكون التّصحيح غفل عنه الطّابع أو النّاسخ، فقد نقل الحافظ تصحيحه عن الحاكم في "الفتح" (م ١٣/ص ٤٥) وكذلك قال الذّهبي في ترجمة عائشة في " سير أعلام النبلاء " (ج ٢/ص ١٢٨) هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجُوْهُ، وذكره الهيثمي في " مجمّع الزّوائد " (ج ٧/ص ٢٣٤/رقم ١٢٠٢٦) من رواية البزّار عن ابن عبّاس، وقال: رواه البزَّار ورجاله ثقات، وصحّحه البوصيري في " الإتحاف " انظر: " مختصر إتحاف السّادة المهرة " (م ٥/ص ٤٥١/رقم ٨٣١٠)، وقال: رواه أبو بكر بن أبي شيبة ورواته ثقات.
[ ١٢١ ]
وعائشة - ﵂ - لمَّا تذكَّرت الحديث لم تَكْتُمْهُ، وإنَّما ذكرته لهم، لكنَّهم لم يفهموا أنَّ في الحديث نهيًا عن الخروج أو أمرًا بالقعود، فليس في حديث النَّبيِّ - ﷺ - ما يدلّ على الأمر بالقعود، أو بامتناع الخروج عليها، وإنَّما هو إخبار بالغيب وتنْبِيه لِقَدَرِ الله تعالى، وأنَّ أمر الله واقع لا محالة؛ فلا تثريب عليهم. وما مِنْ شكٍّ أنَّ عائشة - ﵂ - لها فَضْلُ الدَّعوة للإصلاح، والسَّبق إلى الخير.
وفي الحديث دليلٌ قاطع على أنَّ مَنْ خرج معها لم يخرج للقتال، وإنَّما خرج للإصلاح وعلى رأسهم الزُّبير بن العوّام - ﵁ - حواريّ رسول الله - ﷺ -، روى أحمد بسند صحيح عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لمَّا أَتَتْ عَلَى الحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الكِلَابِ، فَقَالَتْ: " مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ لَنَا: " أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: تَرْجِعِينَ عَسَى الله - ﷿ - أَنْيُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ" (^١).
ولم يسلم الزّبير - ﵁ - إلى يومنا مِنَ الطَّعن والتَّجريح، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، وأحد السِّتَّة مِن أصحاب الشّورى، وأوَّل مَنْ سَلَّ سيفه في سبيل الله تعالى، شهد بدرًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله - ﷺ -، فكيف نطعن فيمن تشفع له سوابقه، وقد تقدَّم قولُ النَّبيِّ - ﷺ -: " إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ الله - ﷿ - اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (^٢).
كما لم يسلم ابنه عبد الله بن الزّبير بن خويلد الّذي كان معه يومها، وهو
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٣٩٥/رقم ٢٤٥٣٥) وإسناده صحيح.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٥/ص ٦٠) كتاب التّفسير.
[ ١٢٢ ]
أشهر مِنْ أن يُعَرَّف: أَبُوْهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيْجَةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ.