زَعَمَ بعض مَنْ ينقص أمَّ المؤمنين عائشة - ﵂ - في خروجها إلى البصرة للإصلاح في حادثة الجمل، أنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب] يقتضي تحريم السَّفر على نساء النَّبيِّ - ﷺ -، وأنَّ قوله - ﷺ - لنسائه عام حَجَّة الوَدَاع: " إِنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْحَجَّةُ، ثُمَّ الزَمْنَ ظُهُورَ الْحُصْرِ" (^١) يقتضي تحريم الخروج عليهنَّ للحجِّ بعده - ﷺ -، فكيف بالخروج إلى القتال! وزعم بعضهم أنَّ التَّحريم ظاهر، بدليل أنَّ أمَّهات المؤمنين امتنعن من الخروج إلَّا عائشة.
قلنا: لا يفهم من الآية أو الحديث النَّهي عن الخروج مطلقًا، فالمرأة في الإسلام خرجت إلى الحجّ والمسجد والجهاد والعمل والمراد من الحديث أنَّ الحجَّ لا يجب عليهنَّ مرَّة أخرى بعد حجَّة الوداع، فالحجُّ الواجب مرَّة في العمر.
أمَّا زعمهم أنَّ أمَّهات المؤمنين امتنعن من الحجِّ إلَّا عائشة - ﵂ -، فلم يمتنع إلَّا سودة وزينب - ﵄ -، فقد حَمَلْنَ الحديث على كراهة التَّنفُّل بالحجِّ من النِّساء، روى أحمد عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ لِنِسَائِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ:
" هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ، قَالَ: فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إِلَّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَكَانَتَا تَقُولَانِ: والله لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٩/ص ٣٠٥/رقم ٩٧٢٧) وإسناده صحيح.
[ ١٢٣ ]
مِن النَّبِيِّ - ﷺ - " (^١).
وذكر الحافظ في الفتح أنَّ أمَّ سلمة امتنعت، وكانت تقول: " لَا يُحَرِّكنِي ظَهْر بَعِير حَتَّى أَلْقَى النَّبِيَّ - ﷺ - " (^٢).
والعذر عند أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ - أنَّها تأوَّلت الحديث كما تأوَّله غيرها مِنْ أمَّهات المؤمنين ﵅ على أنَّ المراد منه أنَّه ليس عليهنَّ حجٌّ واجبٌ بعد تلك الحجَّة، وليس المراد أنَّ الخروج ممتنع عليهنَّ بالكليَّة.
والوجه في عدم إنكار الخلفاء على أمَّهات المؤمنين ﵅ في الخروج إلى الحجِّ بعد أمر النَّبيِّ - ﷺ - لهنَّ بلزوم ظهور الحصر، أنَّهم أعلم بأحكام الله تعالى، وأتقى لله مِنْ أَنْ يخالفوا أمر رسول الله - ﷺ -، فلا يفهم من الحديث أنَّ الأمر بترك الخروج للوجوب، ثمَّ إنَّ عائشة - ﵂ - سألت النَّبيَّ - ﷺ -: وقالت: "يَا رَسُولَ الله، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - " (^٣).