لم تبلغْ أُسْرَةٌ في التَّضحية والبطولة والفداء ما بلغته أسرةُ أبي بكر - ﵁ -، فقد بادر جميعُ أفراد هذه الأسرة إلى الإسلام، عدا عبد الرّحمن شقيق عائشة - ﵂ -، فقد
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٣/ص ٥٨) كتاب الكفالة.
[ ٢٥ ]
تأخَّر إسلامه.
وقدَّمت هذه الأسرةُ أعْظَمَ مثل في الجِهَاد يوم الهجرة، الَّتي تعدُّ نقطة تحوّل في تاريخ الدَّعوة، حتَّى أَمَرَ عُمَرُ - ﵁ - الصَّحابة في خلافته أن يؤرِّخوا بها، قال عمر - ﵁ -:
" الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل فأرِّخوا بها" (^١)، وقال سهل بن سعد - ﵁ -: " مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ المدِينَةَ " (^٢).
وقد روى البخاري قصّة الهجرة بطولها، وأقتطع منها دور هذه الأسرة الكريمة، قالت عائشة - ﵂ -: " وَتَجَهَّزَ أَبو بَكْرٍ قِبَلَ المدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ، وَهُوَ الْخَبَطُ (^٣)، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ (^٤)،
قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ الله - ﷺ - مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، والله مَا جَاءَ به فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ
_________________
(١) ابن حجر " فتح الباري" (ج ٧/ص ٢١٥).
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢٦٧) كتاب المناقب.
(٣) «الخبط: ورق الشَّجر يضرب ويخبط حتَّى يسقط.
(٤) «كان لا يخطئه يوم إلَّا أتى منزل أبي بكر طرفي النَّهار، فلمَّا عزم على الهجرة جاءهم في الظَّهيرة متقنِّعًا وقد غطَّى رأسه.
[ ٢٦ ]
رَسُولُ الله - ﷺ -، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ (^١) - بِأَبِي أَنْتَ (^٢) - يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةَ (^٣) - بِأَبِي أَنْتَ - يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: نَعَمْ، قَالَ أَبو بَكْرٍ: فَخُذْ - بِأَبِي أَنْتَ - يَا رَسُولَ الله، إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: بِالثَّمَنِ (^٤).
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (^٥) الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لهما سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ به عَلَى فَمِ الْجِرَابِ؛ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ.
قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَبو بَكرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ
لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (^٦)، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ (^٧) بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي
_________________
(١) إشارة إلى ابنتيه: عائشة وأسماء، كما فهم من طرائق أخرى للحديث.
(٢) التَّقدير: أنت بأبي مفديّ.
(٣) أي أريد المصاحبة.
(٤) أحبَّ - ﷺ - أن تكون هجرته من ماله.
(٥) أحثّ: اسم تفضيل من الحثّ، وهو الإسراع.
(٦) أي حاذِق سريع الفهم.
(٧) من الكيد، أي يُكَاد لهما بمكروه.
[ ٢٧ ]
رِسْلٍ (^١)، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا (^٢) حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ " (^٣).