كان النَّبيُّ - ﷺ - تزوَّج من عائشة - ﵂ - مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ - ﵂ -، قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، وبعد الهجرة بنى بها بالمدينة أوَّل مقدمه في السَّنة الأولى، تقول عَائِشَةُ - ﵂ -:
" فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ الله - ﷺ - ضُحىً، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ" (^١).
ومن فقه الحديث جواز تزويج الأب لابنته الصَّغيرة، ومشروعيَّة اجتماع النِّساء لإعلان النّكاح، واستحباب الدُّعاء بالخير والبركة للزّوجين ممَّن حضر الدَّعوة، وأنَّ تهنئة النّكاح لها صيغ مشروعة، فقد نهى النَّبيُّ - ﷺ - أن يُقالَ للمتزوِّج: بِالرِّفَاءِ (^٢) وَالْبَنِينَ، تهنئة الجاهليَّة كما تقول العامّة اليوم على عادة الجاهليَّة.
روى أحمد عنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢٥١) كتاب المناقب.
(٢) بِالِالْتِئَامِ والاتِّفاقِ وحُسْنِ الِاجْتِمَاعِ والطُّمَأنينةِ.
[ ٣٠ ]
بَنِي جُشَمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ القَوْمُ، فَقَالُوا: "بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَقَالَ: لَا تَقُولُوا ذَلِكَ (^١)، قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: قُولُوا: بَارَكَ اللهُ لَكُمْ، وَبَارَكَ عَلَيْكُمْ؛ إِنَّا كَذَلِكَ كُنَّا نُؤْمَرُ" (^٢).
هذا وقد قدَّم النَّبيُّ - ﷺ - لعائشة - ﵂ - ولصواحبها اللَّبن، ملاطفة لها، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ منه، ففي حديث أَسْمَاء بِنْت يَزِيدَ بْن السَّكَنِ، قالت:
وإِنِّي قَيَّنْتُ (زيَّنت) عَائِشَةَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - ثُمَّ جِئْتُهُ، فَدَعَوْتُهُ لِجِلْوَتِهَا (^٣)، فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا، فَأُتِيَ بِعُسِّ لَبَنٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَها النَّبِيُّ - ﷺ -، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَانْتَهَرْتُها، وَقُلْتُ لَهَا: خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَتْ: فَأَخَذَتْ، فَشَرِبَتْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لها النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَعْطِي تِرْبَكِ" (^٤).
وقد تغيَّر حال النّساء كثيرًا في عهدنا عن عهد النُّبوَّة، وهذه عائشة - ﵂ -، تقول: " لَوْ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ" (^٥).
فإذا كان حال النّساء قد تغيَّر في حياة عائشة - ﵂ - من لبس الزِّينة وحسن الثياب، فالحال بعد موت عائشة - ﵂ - أبعد مِنْ ذلك!
_________________
(١) لعلّ علّة النّهي عن تهنئة الجاهليّة أنّها خلت من اسم الله تعالى.
(٢) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ٣٥٤/رقم ١٧٣٩) وإسناده صحيح.
(٣) أي للنّظر إليها.
(٤) أحمد "المسند" (ج ١٨/ص ٥٩٦/رقم ٢٧٤٦٣) وقال الألباني: أخرجه أحمد مطوّلًا ومختصرًا بإسنادين يقوّي أحدهما الآخر "آداب الزّفاف" (ص ٧).
(٥) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٢/ج ٤/ص ١٦٤) كتاب الصَّلاة.
[ ٣١ ]