اعلم أنَّ أهل الحقِّ يُعَادَوْنَ، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (١١٢)﴾ [الأنعام]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (٣١)﴾ [الفرقان].
واعلم أنَّ أهل الحقِّ يُستَهزأ بهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا (٤١)﴾ [الفرقان] ولذلك قال هؤلاء المستهزئون ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان]. ولا يخفى خروج الاستفهام إلى معنى التَّحقير، وأنَّ اسم الإشارة (هذا) للقريب، والغرض التَّحقير
_________________
(١) قوله - ﷺ -: "بَلِّغُوا " تكليف، وقوله - ﷺ -: " عَنِّي" تشريف، وقوله - ﷺ -: "وَلَوْ آيَةً " تخفيف.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ١٤٥) كتاب أحاديث الأنبياء.
[ ٩٧ ]
بالقرب أيضًا، ومثله قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (٣٦)﴾ [الأنبياء]، وقول مَنْ قال منهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا (٥٣)﴾ [الأنعام].
فإيذاء النَّبيِّ - ﷺ -، ورمي أصحابه - ﵃ -، وإيذاء المؤمنين في عائشة - ﵂ - مِن السُّنن، ذلك أنَّ أهل الحقِّ لهم أعداء، ولذلك قال ورقة للنَّبيِّ - ﷺ -: " لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ " (^١).
لكن الباغي عليه تدور الدَّوائر، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (٢٣)﴾ [يونس] والسُّوء لا يقع فيه إلَّا فاعله، والمكر لا يحيق إلَّا بصاحبه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (٤٣)﴾ [فاطر].
ولذلك قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: الْبَغْيُ، وَالنَّكْثُ، والمكْرُ " قال - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (٢٣)﴾ [يونس]، وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ (١٠)﴾ [الفتح]، وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (٤٣)﴾ [فاطر].
فمَنْ ظَلَمَ عائشة - ﵂ - ممَّن سَلَفَ ومضى وغبر، أو ممَّن خَلَفَ وأدبر واستكبر،
فإنَّما بغيه على نفسه، وإنَّما حسابه عند ربِّه.
_________________
(١) متَّفق عليه: البخاري "صحيح البخاري" (م ١/ج ١/ص ٣) بَدْء الوحي، ومسلم "صحيح مسلم بشرح النَّووي" (م ١/ج ٢/ص ٢٠٣) كتاب الإيمان.
[ ٩٨ ]
وهذه سنن ماضية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر].
واعلم أنَّ من سُنَنِ الله تعالى أنَّ الرُّسل تبتلى ثمَّ تكون لهم العاقبة، قال هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ:"وسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ" (^١).
ومِنْ سُنَنِ الله تعالى أن يُبْتلى المتَّقون، ثمَّ يجعل الله تعالى العاقبة لهم، قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص]، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه].
حَنانَيْكَ ربَّنا، اجعلنا مِنَ المتَّقين الَّذين قلت فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ [الدّخان] وقلت فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر].