عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، قَالَ: " لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ،
ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ" (^٢).
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢١٩) كتاب المناقب. ومسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٨/ج ١٥/ص ٢١٢) كتاب فضائل الصّحابة.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٣/ص ٢٢١) كتاب الجهاد.
[ ٥٠ ]
ويوم الخَنْدَقِ خَرَجَت - ﵂ - تقْفُو آثَارَ النَّاسِ، قَالَتْ: "فَسَمِعْتُ وَئِيدَ الأرْضِ وَرَائِي - يَعْنِي حِسَّ الْأَرْضِ - قَالَتْ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّهُ. قَالَتْ: فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ، فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ. قَالَتْ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ. قَالَتْ: فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
لَبِّثْ (^١) قَلِيلًا يُدْرِكُ الْهَيْجَا حَمَلْ (^٢) مَا أَحْسَنَ المَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ
قَالَتْ: فَقُمْتُ، فَاقْتَحَمْتُ حَدِيقَةً، فَإِذَا فِيهَا نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَإِذَا فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ تَسْبِغَةٌ (^٣) لَهُ - يَعْنِي مِغْفَرًا - فَقَالَ عُمَرُ: مَا جَاءَ بِكِ؟ لَعَمْرِي وَالله إِنَّكِ لَجَرِيئَةٌ، وَمَا يُؤْمِنُكِ أَنْ يَكُونَ بَلَاءٌ، أَوْ يَكُونَ تَحَوُّزٌ (^٤)؟
قَالَتْ: فَمَا زَالَ يَلُومُنِي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّ الأَرْضَ انْشَقَّتْ لِي سَاعَتَئِذٍ، فَدَخَلْتُ فِيهَا. قَالَتْ: فَرَفَعَ الرَّجُلُ التَّسْبِغَةَ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، وَيْحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ مُنْذُ الْيَوْمَ، وَأَيْنَ التَّحَوُّزُ أَو الفِرَارُ إِلَّا إِلى الله - ﷿ -؟ " (^٥).
_________________
(١) انْتَظِر.
(٢) حَمَلُ بنُ سَعْدانَةَ صحابيّ شاعر شَهِد مَعَ خالدِ مَشاهِدَه كُلَّها، والبيت الّذي تمثّل به سعد له.
(٣) شَيْءٌ مِنْ حَلَق الدُّرُوع والزَّرَدِ يَعْلُقُ بالخُوذةِ دَائِرًا مَعَهَا ليسْتُر الرقبةَ.
(٤) التَّحَوُّز: التَّنَحِّي.
(٥) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٥١٠) وسنده حسن، وذكره الهيثمي في "مجمع الزّوائد"، وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ: (ج ٦/ص ١٣٧) وحسّنه الحافظ في "الفتح" (ج ١١/ص ٤٣)، والألباني في "الصّحيحة" (ج ١/ص ١٤٤).
[ ٥١ ]