أسكن المصطفى - ﷺ - عائشة - ﵂ - في حجرة ملاصقة للمسجد النَّبويِّ، وكان النَّبيُّ - ﷺ - قد بنى حجرات لأمّهات المؤمنين بعد بناء المسجد، وقد جاء ذكر تلك الحجرات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات]، وفي الصَّحيح، قال - ﷺ -: "مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ - يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ - رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ" (^٥).
وكان النَّبيُّ - ﷺ - إذا اعتكف يمدّ رأسه إلى عائشة - ﵂ - مِن المسجد ويُدْنِيه منها، فتغسله وتسرّحه، تقول عائشة - ﵂ -: "كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٣/ص ١٦٥) كتاب الشّهادات.
(٢) المسلاخ: الجلد، ومعناه أن أكون أنا هي، كَأَنَّهَا تَمنَّت أَنْ تكونَ في مثْل هدْيها وطريقتها.
(٣) قوّة نفس وصلابة في الدّين.
(٤) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٥/ج ١٠/ص ٤٨) كتاب النّكاح.
(٥) البخاريّ "صحيح البخاري" (م ٤/ج ٨/ص ٩٠) كتاب الفتن.
[ ٣٥ ]
مُجَاوِرٌ (^١) فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (^٢). وعند مسلم عنها - ﵂ -: "كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (^٣).
وقد اسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ ذات ليلة والنَّبيُّ - ﷺ - معتكف، فَأَمْطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان من جريد النَّخل، فلمَّا أقيمت صلاةُ الصُّبح سَجَدَ - ﷺ - في الطِّين والماء، فلمَّا فرغ من صلاته رأى بعض الصَّحابة أثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ، قَال أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: "مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً" (^٤).
ولعلَّ بناء الحجرات كان على نعت بِنَاء المسجد مِن لبن وجريد النَّخل، وفي "الأدب المفرد" بسند صحيح عن دَاوُد بن قَيْس، قَالَ: " رَأَيْتُ الْحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ" (^٥).
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ بسند صحيح: " أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورَةً بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ. فَقُلْتُ: مِصْرَاعًا كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِدًا. قُلْتُ: مِنْ أَيِّ
_________________
(١) أي معتكف.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاري" (م ١/ج ٢/ص ٢٥٦) كتاب الاعتكاف.
(٣) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٢/ج ٣/ص ٢٠٩) كتاب الحيض.
(٤) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٤/ج ٨/ص ٦٠) كتاب الصّيام.
(٥) البخاري "صحيح الأدب المفرد" (ص ١٧٣/رقم ٤٥١).
[ ٣٦ ]
شَيْءٍ كَانَ؟ قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أو ساج" (^١).
وكانت الحجرات غير متطاولة في البنيان، أخرج البخاري بسند صحيح عن الحسن البصري، قال: " كنتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَها بيدِي" (^٢).
وعرفت حجرتها - ﵂ - بمهبط الوحي؛ لأنَّ الوحي هَبَطَ على النَّبيِّ - ﷺ - فيها غير مرَّة. وما زالت حجرتها الشَّريفة قائمة تحت القبَّة الخضراء المنيفة تضمُّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً.