كانت عائشة - ﵂ - بيضاء، فلمّا دَخَلَ الْحَبَشَةُ المَسْجِدَ يَلْعَبُونَ، قَالَ لها النَّبِيُّ - ﷺ -: "يَا حُمَيْرَاءُ، أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ؟ " (^٣). أي يا بيضاء، تصغير الحَمْرَاء وهو تصغير إكرام ورحمة. فالعرب كانت تقول لمن علا لونه البياض أحمر، ومنه قوله - ﷺ -: " بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " (^٤).
وكانت إلى الطّول أقرب، فقد وصفت صفيَّة بالقِصَر، وقالت: " يَا رَسُولَ
الله، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ - وَقَالَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي قَصِيرَةً ـ، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ، لَوْ مُزِجَ بِهَا مَاءُ البَحْرِ مَزَجَتْ" (^٥).
_________________
(١) قِطْعَة من جيّد الحرير.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ١٣١) كتاب النّكاح.
(٣) النّسائي "السّنن الكبرى" (ج ٨/ص ١٨١/رقم ٨٩٠٢) كتاب عشرة النّساء، وإسناده صحيح، وقال الحافظ في "الفتح" (م ٢/ص ٣٥٥) بعدما عزاه للنِّسائي: إسناده صحيح، وصحّحه الألباني في "الصحيحة" (ج ٧/ص ٨١٧/رقم ٣٢٧٧).
(٤) أحمد "المسند" (ج ١١/ص ٣٩٧/رقم ١٤١٩٨) وإسناده صحيح.
(٥) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٦٢٦/رقم ٢٥٤٣٦) وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣٢ ]
وكانت في حداثة سنِّها نحيفة خفيفة قليلة اللَّحم، وكانت النِّساء عامَّة في ذلك العصر خفافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْم، حتَّى الّذين كانوا يحملون هودجها فارغًا يحسبونها فيه، روى البخاري عنها - ﵂ -، قالت:
" وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ (القليل) مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِر القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ" (^١).
ثمَّ لمّا كبرت بَدُنْتُ ورهقها اللَّحمُ، أخرج أحمد بسند صحيح عن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا: فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ بِتِلْكَ" (^٢).
وكانت عائشة - ﵂ - وضيئة الوجه، وسيمة، حسنة؛ فمن وصيَّة عمر - ﵁ - لابنته حفصة، في رواية عبيد الله بن عبد الله، قال لها: "وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكَ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - يُرِيدُ عَائِشَةَ " (^٣) وفي رواية
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ٥) كتاب التّفسير.
(٢) أحمد "المسند" (ج ١٨/ص ١٧٧/رقم ٢٦١٥٥).
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٣/ص ١٠٥) كتاب المظالم.
[ ٣٣ ]
عُبَيْدِ بنِ حُنَيْنٍ عند الشَّيخين: "لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُها حُبُّ رَسُولِ الله - ﷺ - إِيَّاهَا يُرِيدُ عَائِشَةَ " (^١). وفي رواية مَعْمَر عند مسلم: "وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْكِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ" (^٢).
وكانت - ﵂ - ذكيَّة، قويَّة الذَّاكرة، قويَّة الحافِظَة؛ فقد حفظت عن رسول الله - ﷺ - شيئًا كثيرًا، وحملت عنه الحديث الشَّريف ووعته وأدَّته عن ظهر قلب، لم تَخْرِم منه حرفًا.