لِمَا لِصَلاح ذات البين أو فساده مِن أثر في حياة النَّاس، خرجت أمُّ المؤمنين - ﵂ - مصلحة، لسدِّ باب الفتنة الَّذي يدخل منه المتربِّصون بهم، فمقصدها أعظم مقصد، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (١)﴾ [الأنفال].
فكانت - ﵂ - تسعى في تقوى الله تعالى وإصلاح ذات البين؛ لعلَّ مفاتيح الخير تكون على يديها، فقد قال - ﷺ -: "إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِن النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى
_________________
(١) الهيثمي" مجمع الزَّوائد " (ج ٩/ص ٢٤٣)، وقَال: رواه البزَّار، ورجاله رجال الصَّحيح غير أحمد بن منصور، وهو ثقة. وحسَّنه الألباني في "الصّحيحة" (م ٥/ص ٣٢٤/رقم ٢٢٥٤) مكتبة المعارف، وقال: أخرجه البزّار وإسناده حسن. وهو في "صحيح ابن حبّان" (ج ١٦/ص ٤٨)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، وحسَّنه الألباني في "التَّعليقات الحسان " (م ١٠/ص ١٩٧/رقم ٧٠٦٧)، كتاب مناقب الصَّحابة.
[ ١١٨ ]
يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ" (^١).
فغايتها عظيمة، ونيَّتها سليمة، ومساعيها كريمة، لكن كان بين الحيَّين من هم مفاتيح للشَّرِّ مغاليق للخير، فكلّ نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء].
وإصلاح ذات البين من أصول جماع الدِّين، وهو أفضل عند الله تعالى من درجة الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ" (^٢).
وتذهب النَّفسُ حَسْرَة حين تعلم أنَّه مازال هناك مَنْ يتَّهم المصلح، ويبرِّئ المفسد: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (٢٢٠)﴾ [البقرة].