لم تصحّ الرِّوايات في أنّ عليًّا وعمّارًا - ﵄ - حَضَّا أهل الكوفة إلى الخروج لقتال أمّ المؤمنين عائشة - ﵂ -، وأنّه خرج إلى البصرة لملاقاتها، وما صَحَّ ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن زياد الأسَدِيّ، قال: "لمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلى
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٨/ص ٣١٦/رقم ٢٦٦٣٠) بإسناد صحيح.
(٢) ابن حجر "فتح الباري" (ج ٧/ص ٨٦) كتاب المناقب.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ١/ج ٢/ص ٢١٩) كتاب الحجّ.
[ ١٢٤ ]
البَصْرَةِ، بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا، يَقُولُ:
"إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَالله إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ الله ﵎ ابْتَلَاكُمْ، لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ " (^١).
وكانت خطبته هذه قبل حادثة الجمل ليكفَّهم عن الخروج معها - ﵂ -، والضَّمير في قوله: (إِيَّاهُ) لله تعالى، فهو القائل في محكم التَّنزيل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب]، ويحتمل أنَّه للخليفة عليٍّ فهو الأولى بالطَّاعة، والأوَّل أظهر، وليس في الحديث دعوة للخروج مع عليّ - ﵁ - لمقاتلة أحد.
أمّا مَنْ يتعلّل بما رواه البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ، حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ " (^٢). ويظنّ أنّ عليًا - ﵁ - يستنفر أهل الكوفة لقتال عائشة - ﵂ - فهذا لا يَصِحُّ البتَّة؛ فهو يعرف أنّ خروج عائشة - ﵂ - مِنْ أصله كان قدرًا مقدورًا، فقد حذَّرها النَّبيُّ - ﷺ - في حياته من الخروج، وسمع عليّ - ﵁ - هذا التّحذير، وسمع طلب النَّبيِّ - ﷺ - منه أن يرفق بها، أخرج الحاكم بإسناد صحيح من رواية أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - هِنْد زوج النَّبيِّ - ﷺ -، قَالَتْ:
ذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - خُرُوجَ بَعْضِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَضَحِكَت عَائِشَةُ، فَقَالَ
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٧) كتاب الفتن.
(٢) المرجع السّابق.
[ ١٢٥ ]
"انْظُرِي يَا حُمَيْرَاءُ، أَنْ لَا تَكُونِي أَنْتِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنْ وُلِّيتَ مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا فَارْفُقْ بِهَا " (^١).
فحاشا لعليٍّ - ﵁ - أن يحرِّضَ على قتال أُمِّه، وقد أمره النَّبيُّ - ﷺ - بالرّفق بها؟! وحاشاه أن يعصي أمر رسول الله - ﷺ - وينْبذ وصيَّته وراء ظهره، وإنّما استنفر عليّ - ﵁ - أهل الكوفة لأنّه خَشِيَ على عائشة - ﵂ -، فخرج ومَنْ معه إلى البصرة ليجتمع بعائشة - ﵂ - ويعيدها إلى مأمنها.
أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي رافع أنّ رسول الله - ﷺ -، قال لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا" (^٢).
فالله تعالى أطلع نبيّه - ﷺ - على ما يقع بين عليّ وعائشة، فالنَّبيُّ - ﷺ - كان يعلم أنّ أمرًا سيقع بينهما، وليس معركة كما يصّورون ويهوِّلون! ولم ينهَ النَّبيُّ - ﷺ - عليًّا ولا عائشة؛ لأنّه يعلم أنَّ هذا الأمْرَ واقع بأمر الله ليظهر عذرهما، وإنّما نبَّههما وأوصى عليًّا بها، فالله تعالى إذا أراد شيئا هيّأ الأسباب له.
_________________
(١) الحاكم " المستدرك " (ج ٣/ ص ١١٩) كتاب معرفة الصّحابة، وقال: صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه، وأورده ابن عساكر في " كتاب الأربعين في مناقب أمَّهات المؤمنين " (ص ٧١)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ.
(٢) أحمد " المسند " (ج ١٨/ص ٤٦٨/رقم ٢٧٠٧٦) وإسناده حسن. وأخرجه البزّار في مسنده "البحر الزّخَّار" (ج ٩/ص ٣٢٩/رقم ٣٨٨١) وحسَّنه الحافظ في "الفتح" (ج ١٣/ص ٤٦).
[ ١٢٦ ]