مَا غارت عائشة - ﵂ - على امرأة للنَّبِيِّ - ﷺ - كما غَارت على خديجة - ﵂ -، أخرج البخاري عن عائشة - ﵂ - أنَّها قالت: "مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ الله - ﷺ - كَمَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أُوحِيَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ لَهَا فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ" (^١) أي من لؤلؤ مجوَّف.
ولا غرابةَ أنْ يُكْثِرَ النَّبيُّ - ﷺ - من ذكر خديجة - ﵂ - بعد موتها، فَمَنْ أحبَّ شيئًا أكثر ذِكْرَه وفاءً ومحبَّةً له، فكيف بسيِّد الأنبياء والأوفياء - ﷺ -! ولذلك كان - ﷺ - كثيرًا ما يذكرها، ويثني عليها أحسنَ الثَّناء، فكانت عائشة - ﵂ - تأخذها الغيرةُ، روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: "اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ
عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ؛ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةَ، قَالَتْ
فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ (^٢)، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا " (^٣).
أي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لمَّا سمع صوت هالة أخت خديجة تستأذن، تَذَكَّر خديجة؛ لشبه صوتها بصوت أختها، فاهتزَّ لذلك فرحًا، فقالت عائشة - ﵂ - ما قالت معبِّرة
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٣/ج ٦/ص ١٥٨) كتاب النّكاح.
(٢) كناية عن سقوط أسنانها من الكِبَر، فلم يبق إِلَّا حُمْرَةُ اللَّثَاةِ.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢٣١) كتاب المناقب.
[ ٤١ ]
عن غيرتها، وأمر الغيرة معلوم أنَّه معفوٌّ عنه.
وقد فهم بعض أهل العلم من سكوت النَّبيِّ - ﷺ - على مَقَالَةِ عائشة - ﵂ - أنَّها أفضل مِن خديجة، وهذا فهم محجوج بما رواه أحمد مِن أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَضِبَ لأجْلِ ذلك، وَرَدَّ عليها، وقال لها: " مَا أَبْدَلَنِي الله - - ﷿ - - خَيْرًا مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِها إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي الله - - ﷿ - - وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" (^١).
وفي الصَّحيحين مِن حديث عائشة قصَّة طريفة تبيِّن شدَّة غيرتها - ﵂ - وفرط محبَّتها له - ﷺ -، حتَّى تمنَّت لو أنَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُها، قالت: "كَانَ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ القُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ
رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ (^٢)، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا " (^٣).
وممَّا وقع لها من الغيرة أنَّها لمَّا كانت ليلتها ذات مرَّة، ورجع النَّبيُّ - ﷺ - إليها
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٤٥٠/رقم ٢٤٧٤٥) وإسناده حسن.
(٢) نبْت طيِّب الرَّائحة.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ١٥٤) كتاب النّكاح. ومسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٨/ج ١٥/ص ٢١٠) كتاب فضائل الصّحابة.
[ ٤٢ ]
ليلًا، فوضع رداءَه، وخلع نعليه، واضطجع حتَّى ظنَّ أنَّها قد نامت، فكره أن يوقظها خشية أن تستوحش، فأخذ رداءه وانتعل رويدًا لئلَّا ينبِّهها، وفتح الباب فخرج، ثمّ أغلقه رويدًا، فظنَّت عائشة - ﵂ - أنَّه قد خرج إلى بَعْضِ أُمَّهات المؤمنين في ليلتها، فحملتها الغيرة على أن تلحق به - ﷺ -.
وكان جبريل - ﵇ - قد ناداه وأخبره بأنَّ الله تعالى يأمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم؛ فأتى - ﷺ - أهل البقيع واستغفر لهم، ثمَّ رَجَعَ - ﷺ - فَرَجَعَتْ عائشة - ﵂ -، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعَتْ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلَتْ، فعَدَا فَعَدَتْ، فسبقته، واضجعت في فراشها، فدخل - ﷺ - فرأى ارتفاع نفسها وتواتره، فسألها إن كانت هي الشَّخص الَّذي كان أمامه، فأجابته: نعم؛ فجمع كفه - ﷺ - ودفعها في صدرها، وأخبرها القصَّة، والقصَّة بطولها في صحيح مسلم وغيره.
قالت عائشة - ﵂ -:"لمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ (أَغْلَقَه) رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ، حَشْيَا رَابِيَةً (^١)،
قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي أَوْ
_________________
(١) أي مالك أخذك النَّهِيجُ وارتفاع وتَواتُرُ النَّفَسِ، والرَّابِيَة الَّتِي أَخَذَها الرَّبْوُ وكذلك الحَشْيا ..
[ ٤٣ ]
لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ (^١)، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله (^٢)؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ" (^٣).
ولم تسلم عائشة - ﵂ - إلى يومنا مِمَّنْ شغب، وقَال: إنَّ عائشة لمَّا قَال لها النَّبيُّ - ﷺ -: "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: نعم".
قلنا: عائشة - ﵂ - أتقى لله تعالى وأعلم مِنْ أن تخاف أن يحِيفَ الله عليها ورسُولُه! وَمَنْ ذهب إلى أنَّ عائشة خشيت من الجوْر والظُّلم ليس عنده أثارة من عِلْم، ولا بقيَّة من فهم؛ فلم يدرس الأحاديث المشكلة طرقها ومخارجها وعللها.
والحَيْفُ في اللّغة: المَيْلُ فِي الحُكم، ولَعَلَّ المعنى: أخِفْتِ الميل في الحكم وتبدّله بإسقاط الشَّرع حقَّك مِن ليلتك؟ فقالت: نعم، أي خفت ميل الشَّرع بأن
_________________
(١) لم يكن جبريل - ﵇ - يدخل على النَّبيِّ - ﷺ - بيته إذا وضعت عائشة - ﵂ - ثيابها.
(٢) حوّلت الكلام، وفيه دلالة ذكاء.
(٣) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٤/ج ٧/ص ٤٢) كتاب الكسوف.
[ ٤٤ ]
يكون أجاز أَخْذَ ليلتي مِن يدي. وهذا ليس حيْفًا، لكن لمَّا كان الحَيْفُ والمَيْلُ بمعنى، أُقِيْمَ مَقَامَه.
أو أنَّها جاءت بكلمة (نعم) تصَدِّق نفسها، أي لمَّا قالت للنَّبيِّ - ﷺ -: "مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ " قالت مصدِّقة نفسها: "نعم". أو أنَّ كلمة (نعم) من كلام النَّبيِّ - ﷺ -، فقد أخرج أحمد والنّسائي والطَّبراني كلمة (نعم) في سياق حديث المصطفى - ﷺ -، ففي المسند "وَقَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ عَلَيْكِ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - " (^١) الحديث.
ومن غيرتها، قَالَتْ: "افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَفِي شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ" (^٢). أي لمَّا بحثت عنه في الظلمة ووجدته راكعًا أو ساجدًا عجبت من أمر غيرتها.