الَّذين آذوا عائشة في عهد النَّبيِّ - ﷺ - جماعَةٌ من المنافقين كُرْهًا في النَّبيِّ - ﷺ - وعداوةً له، وبغضًا لأبيها أبي بكر الصِّديق - ﵁ - السَّابق بالتَّصديق، ولم يقصدوا عائشة - ﵂ -، وإنَّما كانوا يريدون النَّيل من النَّبيِّ - ﷺ - الَّذي نجح في الدَّعوة في المدينة، ومظاهرة الكفَّار على المسلمين.
ولذلك فِي مَرْجِعِ النَّبيِّ - ﷺ - مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، قَالَ رَأْسُ المُنَافِقِينَ ابْنُ أُبَيّ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وعنى بالأعزِّ نفسه، وبالأذلِّ النَّبيَّ - ﷺ -، فهو يريد أن يُخرجَ النَّبيَّ - ﷺ - من المدينة كما أخرجه الَّذين كفروا من مكَّة.
أخرج البخاريّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ -، قَالَ: " كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
[ ٩٤ ]
لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ الله - ﷺ - فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأَنْزَلَ الله - ﷿ -: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ (١)﴾ [المنافقون] إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (٨)﴾، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ " (^١).
فلا يستبعد أنَّ الَّذين يحملون على عائشة - ﵂ - الأحقاد، في كلِّ الأزمان والأحقاب، إنَّما غرضهم مظاهرة الكفَّار على المسلمين؛ فمعاونةُ الكفَّار على المسلمين خَصْلَةٌ مِن النِّفاق وشُعْبة من شُعَبِه، قَال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النّساء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة].
أمَّا الَّذين تكلَّموا بالإفك من المؤمنين، مثل: مسطح، وحسَّان، وحمنة، فلم يقصدوا أذى النَّبيِّ - ﷺ -، بخلاف ابن أبيّ وأصحابه، الَّذين قصدوا إيذاءَه - ﷺ - ومحاربته.
أمَّا الَّذين وَرِثوا نِفَاقَ ابن أبيٍّ، سواء مَنْ ذَهَبَ بهم الماضي الغابر، أو مَنْ
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (م ٣/ج ٦/ص ٦٤) كتاب التَّفسير.
[ ٩٥ ]
بَرِمَ بهم الحاضر، فَغَرَضُهم من الطَّعن بأمِّ المؤمنين - ﵂ -، الطَّعن والتَّشكيك في السُّنَّة الَّتي روتها ونقلتها عن رسول الله - ﷺ -، لأنَّ الطَّعن في الرَّاوي طعنٌ في المرويِّ، والتَّشكيك في النَّاقل تشكيك في المنقول.
فأمّ المؤمنين عائشة مِن بين السَّبعة المكثرين عن النَّبيِّ - ﷺ - رواية، ومُسْنَدُها - ﵂ - يَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمائَتَيْنِ وَعَشْرَةِ أَحَادِيْثَ، وانفردت عنهم بأنَّ جلَّ الأحاديث الَّتي روتها تلقَّتها عن النَّبيِّ - ﷺ - مشافهةً، كذلك تناولت السُّنن الفعليَّة لقربها من النَّبيِّ - ﷺ - وطول ملازمتها له - ﷺ -، حتّى قِيلَ إِنَّ رُبْعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْقُولٌ عَنْهَا - ﵂ -.
وهؤلاء الوارثون لابن أبيّ لا يستطيعون إظهار العداوة للنَّبيِّ - ﷺ - مواجهة، فيجرحون عائشة - ﵂ - محاربة للسُّنن القوليَّة والفعليَّة الَّتي ورثتها عن رسول الله - ﷺ -، وبلَّغتها عنه - ﷺ -.
ولا يغيب أنَّ في حِرص عائشة - ﵂ - على الحديث، وحفظها وروايتها له وتبليغها عن النَّبيِّ - ﷺ - منقبة عظيمة لها، فقد كان همّها حفظ الحديث وتبليغه، فوردها النَّاس وتلقُّوه منها، وتاجروا فيه، فربح البيع، وربحت التِّجارة.
هذا وقد دعا النَّبيُّ - ﷺ - لمن سَمِعَ كلامَه ووعاه وبلَّغه بالنُّضرة، فقال - ﷺ -: " نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ" (^١).
فأمّ المؤمنين عائشة - ﵂ - ممَّن بلَّغ عنه مَنْ غَابَ، وممَّن حظي بهذا الدُّعاء المُسْتَجَاب، وهي ممَّن امتثل قوله - ﷺ -:
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٤/ص ١٦٢/رقم ٤١٥٧) وإسناده صحيح.
[ ٩٦ ]
" بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً (^١) " (^٢).
فطوبى لمن تشرَّف بالبلاغ عنك يا رسُولَ الله! وأوَّلهم الصَّحابة - ﵃ -، حملة العلم، ونقلة الدِّين، وأمان الأمَّة.
واعلم أنَّ عائشة - ﵂ - أوذيت في حياتها وبعد مماتها؛ لأنَّ لها شأوًا عاليًا في الإسلام، فالرِّيح لا تلطمُ عواصفُها إلَّا العالي من الشَّجر، كما قال الشَّاعر:
إنَّ الرِّياحَ إذا اشتدَّتْ عواصِفُها فليس تَرْمِي سِوى العَالي مِنَ الشَّجَرِ
أو كما قال آخر:
فالرِّيحُ تحطمُ إنْ هبَّت عواصِفُها دوح الثِّمار وينجو الشِّيحُ والرَّتَم