قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة]، وقال - ﷺ -: " إذا ذكر أصحابي
[ ١٣٢ ]
فأمسكوا" (^١). أي عن الكلام عنهم إذا كان فيه تنقيص لهم، أو وَضْعٌ منهم، أو إِزْراء بهم، أمّا ذكرهم للذّبِّ عنهم، وإظهار قدرهم، وبيان عذرهم، وإبراء ساحتهم، وإشهار مناقبهم، وإذاعة فضائلهم، والدَّعوة إلى الاقتداء بهم، فلا يُفهم ذلك من الحديث.
وهم أهلٌ للإمساك عنهم، فقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه جملةً واحدة، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (٢٩)﴾ [الفتح].
ولذلك لمَّا سُئِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَالْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: "تِلْكَ دِمَاءٌ كَفَّ الله يَدَيَّ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَغْمِسَ لِسَانِي فِيهَا" (^٢).
فالإمْسَاك عنهم مِنْ أَمَارات المؤمنين المتَّبعين لهم بإحسان، الَّذين أثنى الله تعالى عليهم وامتدحهم بقوله - ﷻ -: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
_________________
(١) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ، كذا قال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج ٧/ص ٢٠٢/رقم ١١٨٥١)، وهو كما قال رواه الطّبراني في "المعجم الكبير" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٤٢٧). وذكره الألباني في "الصّحيحة" (م ١/ص ٤٢/رقم ٣٤) وفي "صحيح الجامع " (ج ١/ص ١٥٥/رقم ٥٤٥).
(٢) ابن سعد "الطّبقات الكبرى" (م ٥/ ٣٩٤).
[ ١٣٣ ]
ويَمْلأ جَنْبَيك أسى أنْ تجد مَنْ يبحث عن مساويهم، ويذكرهم بغير الجميل؛ ليحرِّش عليهم! ولا ينقضي عجبك ممَّن يأتيك بأخبار مصنوعة تخلب القلوب، وآثار موضوعة تُعْظِم الذُّنوب، بألطف القول وأعذبه، وببلاغة بالغة، وزخرفة خادعة، وليس مراده من ذلك الصَّحابة ذاتهم، وإنّما صَرْف النَّاس عن دينهم، فالصَّحابة - ﵃ - هم نقلة الدِّين، والطَّعن فيهم يتضمَّن ردّ الكتاب والسُّنَّة.
ولذلك قال أبو زُرْعَةَ: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ - ﷺ - عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ" (^١).
فمَن تَغَيَّظ على أصحاب رسُول الله - ﷺ - فقد خَابَ وخَسِر، روى الخلّال عن أبي عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيّ أنَّهم ذَكَروا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: فقال مَالِكٌ: "مَنْ أَصْبَحَ وَفِي قَلْبِهِ غَيْظٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْآيَةُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (٢٩)﴾ [الفتح] " (^٢).
هذا ولا يخفى على كلِّ ذي سمع أنَّ أذى الصَّحابة - ﵃ - والطَّعن فيهم يترتَّب عليه إثم عند الله عظيم، وخزي في الدُّنيا مقيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب].
_________________
(١) الخطيب البغدادي "الكفاية" (ص ٤٩).
(٢) الخلّال "السّنّة" (ج ٢/ص ٤٧٨)، وابن الجوزي مختصرًا في "زاد المسير" (م ٧/ص ١٧٥).
[ ١٣٤ ]