أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه بإسناد حسن عنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ مَسِيرِهَا، فَقَالَتْ: " كَانَ قَدَرًا " (^٢).
فإذا علمت ذلك تبيّن لك عُذْرَ عائشة - ﵂ - في خروجها، فقد كان قدرًا مِنَ الله تعالى، وقدر الله تعالى كائن لا محالة، والاعتراض عليه حرام.
وقد لهج قوم بالاعتراض على خروج عائشة - ﵂ - قرونًا مِن الزَّمن، وفي ذلك قدْح في الحِكْمَة؛ لأنَّه اعتراض على قدر الله، وأوَّل مَن اعترض على حكمة الله تعالى إبليس حين قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف].
وقد أخبر النَّبيُّ - ﷺ - عن مضاء خروجها مضاء القدر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِنِسَائِهِ: " لَيْتَ شِعْرِي، أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ (^٣)، تَخْرُجُ فَيَنْبَحُهَا كِلَابُ حَوْأَبٍ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلَى كَثِيرٌ، ثُمَّ تَنْجُو
_________________
(١) الطَّبريّ "تاريخ الأمم والملوك" (ج ٣/ص ٥٤٨). وصحَّحه الحافظ في " الفتح " (ح ١٣/ص ٤٩)، وقال: أَخْرَجَه الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عن أَبِي يَزِيدَ المدِينِيِّ.
(٢) ابن أبي شيبة "مصنّف ابن أبي شيبة" (ج ١٥/ص ٢٨١/رقم ١٩٦٦٥)، وإسناده حسن. وذكره نعيم بن حمّاد في كتاب " الفتن" (ج ١/ص ٨٢) والواسطي في "تاريخ واسط" (ص ٧١).
(٣) كَثِيرُ الوَبرِ، وَقِيلَ: كثيرُ وَبَرِ الوجهِ.
[ ١٢٩ ]
بَعْدَمَا كَادَتْ" (^١).
وربّ محتجّ علينا يقول: تتحدّثون عن قلَّة قتلى الجمل، وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: "يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلَى كَثِيرٌ! " قلنا: ولكن ليس بهذه الكثرة المبالغ بها في الرِّوايات التّاريخيّة، فهذا اليعقوبي مثلًا يروي دون سند ويقول: " كانت الحرب أربع ساعات من النَّهار، فروى بعضهم أنّه قُتِلَ في ذلك اليوم نيف وثلاثون ألفًا" (^٢) ولا غرو أنَّ المبالغة من علامات الوضع الّتي تُعرف بها الرّوايات الباطلة، ومن تعقَّب الرِّوايات الَّتي تتحدَّث عن قتلى الجمل بالدّراسة والتَّحقيق علم أنّه لا يصحُّ شيء مِنها.