قالوا: عائشة - ﵂ - زوجة النَّبيِّ - ﷺ - في الدُّنيا لا في الآخرة؛ واحتجّوا بأنَّها بدَّلت وغيَّرت مِنْ بعده - ﷺ -.
قلت: وحُجَتُهُمْ دَاحِضَةٌ؛ فقد ثبت في الصَّحيحين أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لمَّا أُمِرَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بين المقام معه أو مفارقته لهنَّ بَدَأَ بعائشة - ﵂ -، فَقَالَ: " إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ، قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب]، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ
[ ١٥٣ ]
- ﷺ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ" (^١).
فأمَّهات المؤمنين كلُّهنَّ اخترْنَ اللهَ ورسولَه والدَّار الآخرة، وكلهنَّ محسنات أعدَّ الله لهنَّ أجرًا عظيمًا.
وقد حظر الله تعالى عليهنَّ أنْ يتزوَّجن بعد موته - ﷺ -، وقصرَهُنَّ عليه - ﷺ -؛ ليبقين أزواجه في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (٥٣)﴾ [الأحزاب].
ومن المعلوم أنَ زوجة المؤمن في الدُّنيا زوجته في الآخرة، لقوله - ﷺ -: "المرأة لآخر أزواجها" (^٢) ولقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ (٢٣)﴾ [الرّعد]، وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس]، وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزّخرف] فإذا كان هذا للمؤمنين، فما بالك بالنَّبيِّ - ﷺ - وأمَّهات المؤمنين!
وهناك أحاديث صحيحة صريحة تدحض قول مَنْ زعم أنَّ عائشة - ﵂ - زوجة النَّبيِّ - ﷺ - في الدّنيا لا في الآخرة، فقد بشَّرها النَّبيُّ - ﷺ - أنَّها زوجته في الدّنيا والآخرة، منها ما رواه ابن حبّان وغيره بسند صحيح، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ بِي جِبْرِيلُ - ﵇ - إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ فَقَالَ: " هَذِهِ
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ٢٣) كتاب التّفسير. ومسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ" (م ٥/ج ١٠/ص ٧٨) كتاب الطّلاق.
(٢) الألباني "الصّحيحة" (م ٣/ص ٢٧٥/رقم ١٢٨١).
[ ١٥٤ ]
زَوْجَتُكَ فِي الدُّنيا والآخرة" (^١).
وما رواه الحاكم عن عائشة - ﵂ -: أنّ رسول الله ذكر فاطمة - ﵂ -، قَالَتْ: فَتَكَلَّمْتُ أَنَا فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قُلْتُ: بَلَى والله، قَالَ: فَأَنْتِ زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (^٢).
أمَّا من زعم أنّ عائشة - ﵂ - ظهر منها في حياته - ﷺ - ما يوجب كفْرها، فيدحضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾ [الممتحنة].فلو ظهر منها شيء من ذلك ما أمسك النَّبيُّ - ﷺ - بعصمتها.
هذا وهناك مطاعن أخرى، وشبهات لا تكاد تنقضي، وحسبنا ما رددنا عليه، ليَقِفَ العاقلُ على أطلالِ الباطل، ويطَّلع على آثارِ فِكْرٍ عاطل، لتبقى النَّفسُ مستكينةً للحقِّ مُبْصِرةً للصِّدق، والحقُّ أحقُّ أن يتَّبع، والباطل حقيق بأَنْ يُتْرَكَ ولا يستمع، وفيما أشرت غنى لمن وفَّقه الله تعالى ووعى، وفيما رويناه عن عائشة أصدق ردّ وأبلغه.