قالوا: لم ينزل في آل أبي بكر شيء من القرآن، فضلًا عن أن ينزل في عائشة، لما روى البخاري عن عائشة، قالت: "مَا أَنْزَلَ الله فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ".
قلتُ: هذا كلام مَنْ لم يتعلَّم الوقف والوصل، فهو يقف على كلام لم يتمَّ معناه لتعلّقه بما بعده لفظًا ومعنى، وهذا وقف قبيح لأنَّه أفاد معنى غير مراد
_________________
(١) الهيثمي "مجمع الزّوائد" (ج ٩/ص ٢٤٢)، وقال: رواه الطّبراني وإسناده حسن. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (ج ٤/ص ١١) كتاب معرفة الصّحابة.
(٢) ابن حجر "الإصابة" (م ٤/ج ٨/ص ١٤٠/رقم ٧٠١) كتاب النّساء.
(٣) المرجع السّابق.
(٤) الهيثمي "مجمع الزّوائد" (ج ٩/ص ٢٤٢) وقال: رواه الطّبراني وإسناده حسن.
(٥) المرجع السّابق، وقال الهيثمي: رواه الطّبراني مرسلًا ورجاله ثقات. وأخرج نحوه الحاكم في "المستدرك" (ج ٤/ص ١١) كتاب معرفة الصَّحابة، وقال الذّهبي في التَّلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
[ ١٥١ ]
لتوقُّف ما بعده عليه ليتمَّ به المعنى، فالرِّواية عند البخاري عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: "كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ؛ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ - ﵂ -؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي (١٧)﴾ [الأحقاف] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ الله فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ الله أَنْزَلَ عُذْرِي" (^١).
فمراد عائشة - ﵂ - أنَّه لم ينزل في ذمِّهم شيء من القرآن، وإنَّما نزل عذرها وبراءتها ممَّا نَسَبَ أهلُ الإفك. فالوقف والابتداء قد يحيل الكلام إلى معنى غير مقصود، ومَنْ تعمَّد ذلك ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (١١٧)﴾ [المؤمنون].
ومنهم مَنْ شَغَبَ، فقال: قَوْلها: "مَا أَنْزَلَ الله فِينَا" يدلُّك على أنَّ قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ (٤٠)﴾ [التَّوبة] ليس المراد به أبا بكر - ﵁ -، وليس كما زعم، فالمراد بقول عائشة: "فِينَا" أي في بني (أولاد) أبي بكر، لا في أبي بكر وآله،
ثمَّ إنَّها تنفي نزول آيات في ذمّهم، ولا تنفي نزول آيات بالكليَّة.
فالصِّدِّيق - ﵁ - صاحب النَّبيِّ - ﷺ - في الحضر والأسفار، وجاره في الرَّوضة الشَّريفة المحاطة بالأنوار، نزل فيه قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ (٤٠)﴾ [التّوبة]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ (٢٢)﴾ [النّور]، وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الّليل].
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ٤٢) كتاب التَّفسير.
[ ١٥٢ ]
وقد استدلّ العلماء بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الّليل] ومعه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١٣)﴾ [الحجرات] على أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق - ﵁ - ما طلعت الشَّمس ولا غربت بعد النَّبيِّين على رجل أفضل منه.
ولكن لمن تقول هذا؟! إنَّ أهل الأهواء لو جئتهم بكلِّ آية ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا (١٥)﴾ [الحجر]، وصدق الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النّمل].