لا شكَّ أنَّ الهجرة أشقُّ على النِّساء من الرِّجال، فالرِّجال من شأنهم السَّعي والضَّرب في أكباد الأرض، فبعد أن أقام النَّبيُّ - ﷺ - وصاحبه في المدينة مع المسلمين مهاجرين وأنصار، هاجرت عائشة وأسماء معًا مع بنات النَّبيِّ - ﷺ - ومع آل أبى بكر، فنزلوا جميعًا المدينة.
وقد تحمَّلت عائشة - ﵂ - كغيرها المصاعب في طريق الهجرة، روت عائشة - ﵂ -، قالت: "قدمنا مهاجرين، فسلكنا في ثنيَّة صعبة، فنفر جمل كُنْتُ عليه نُفُورًا مُنكرًا، فوالله ما أَنْسَى قول أمِّي: يا عريسة، فركِبَ بي رأسَه، فَسَمِعْتُ قائِلًا يقول: ألقي خِطَامَه، فألقيته، فقام يستدير كأنَّما إنسانٌ قائمٌ تحته" (^٤).
ولمَّا وصلت عائشة المدينة نزلت مع أهلها في دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، ومرضت بالحمَّى حتَّى تمزَّق شعرها، روى البخاري عنها أنَّها - ﵂ - قالت: " فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ (انْتَتَفَ) شَعَرِي فَوَفَى (^٥)
_________________
(١) الرِّسْل: اللَّبن.
(٢) الرَّضِيفُ: اللَّبن المَرْضُوفُ، وهو الَّذي طُرِحَ فيه الحجارة المُحْماةُ، ليذْهب وخَمُه.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢٥٥) كتاب المناقب.
(٤) الهيثمي "مجمع الزوائد" (ج ٩/ص ٢٢٨) وقال: رواه الطَّبراني وإسناده حسن.
(٥) أي كَثُر وَفِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره ثُمَّ فَصَلْتُ مِنْ الحمَّى فَتَرَبَّى شَعْرِي حتَّى وصل المنكبين.
[ ٢٨ ]
جُمَيْمَةً (^١) " (^٢). وعند مسلم أنَّها مرضت شهرًا كاملًا، تقول عائشة - ﵂ -:"قَدِمْنَا المَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْرًا فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً" (^٣).
وكانت المدينة عند قدومهم وبِئَة، فلمّا رأى النَّبيُّ - ﷺ - شكوى أصحابه، دعا لها أن يصحِّحها وينقل حمَّاها إلى الجُحْفَة فأجاب الله دعوته، تقول عائشة - ﵂ -: "قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله - ﷺ - شَكْوَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: "اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ (^٤) " (^٥).
وفي الحديث من الفقه: جواز التَّداوي بالدّعاء لرفع الوباء وكشف البلاء، وفيه الدُّعاء للمسلمين بالبركة والرَّخاء ورفع الدَّاء، وجواز الدُّعاء على الأعداء لشغلهم عن الدَّعوة، فقد دعا - ﷺ - بنقل الحمَّى إلى الجحفة وكانت دار شرك فكفى الله المؤمنين.
وكان - ﷺ - قد دعا على قريش لمَّا أبطؤوا عن الإسلام واستعصوا عليه ورأى منهم إدبارًا، فقال: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" (^٦).
_________________
(١) جُمَيْمَة: تصغير جُمَّة، والجُمَّة من شعر الرأْس ما سَقَط على المَنْكِبَيْن، وصار إلى هذا الحدّ.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ٢٥١) كتاب المناقب.
(٣) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٥/ج ٩/ص ٢٠٧) كتاب النكاح.
(٤) ميقات أهل الشّام وكانت إذ ذاك يسكنها يهود.
(٥) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٥/ج ٩/ص ١٥٠) كتاب الحجّ.
(٦) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (م ٣/ج ٦/ص ١٩) كتاب التَّفسير.
[ ٢٩ ]