كَانَ ﵁ مجبولا على الْكَرم لَا يتطبعه وَلَا يتصنعه بل هُوَ لَهُ سجية وَقد ذكرت فِيمَا تقدم أَنه مَا شدّ على دِينَار وَلَا دِرْهَم قطّ بل كَانَ مهما قدر على شَيْء من ذَلِك يجود بِهِ كُله وَكَانَ لَا يرد من يسْأَله شَيْئا يقدر عَلَيْهِ من دَرَاهِم وَلَا دَنَانِير وَلَا ثِيَاب وَلَا كتب وَلَا غير ذَلِك
بل رُبمَا كَانَ يسْأَله بعض الْفُقَرَاء شَيْئا من النَّفَقَة فَإِن كَانَ حِينَئِذٍ متعذرا لَا يَدعه يذهب بِلَا شئ بل كَانَ يعمد الى شئ من لِبَاسه فيدفعه اليه وَكَانَ ذَلِك الْمَشْهُور عِنْد النَّاس من حَاله
حَدثنِي الشَّيْخ الْعَالم الْفَاضِل الْمُقْرِئ ابو مُحَمَّد عبد الله ابْن الشَّيْخ الصَّالح الْمُقْرِئ احْمَد بن سعيد قَالَ كنت يَوْمًا جَالِسا بِحَضْرَة شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية ﵁ فجَاء انسان فَسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ الشَّيْخ مُحْتَاجا الى مَا يعتم بِهِ فَنزع الشَّيْخ عمَامَته من غير ان يسْأَله الرجل ذَلِك فقطعها نِصْفَيْنِ واعتم بِنِصْفِهَا وَدفع النّصْف الاخر الى ذَلِك الرجل وَلم يحتشم للحاضرين عِنْده
قلت وَرُبمَا توهم بعض من يحْتَاج الى التفهيم ان هَذَا
[ ٦٣ ]
الْفِعْل من الشَّيْخ فِيهِ إِضَاعَة المَال اَوْ نوع من التبذل الَّذِي يشين الْمُرُوءَة وَلَيْسَ الامر كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن عِنْده حِينَئِذٍ مَعْلُوم غير ثِيَابه وَرَأى أَن قطع غير الْعِمَامَة من بَقِيَّة لِبَاسه مِمَّا يُفْسِدهُ وَلَا يحصل بِهِ الْمَقْصُود وَلم يكن عَلَيْهِ وَلَا عِنْده حِينَئِذٍ ثوب صَحِيح لَا يحْتَاج اليه حَتَّى يَدْفَعهُ اليه فسارع الى قطع مَا يسْتَغْنى بِبَعْضِه عَن كُله فِيمَا وضع لَهُ وَهُوَ الْعِمَامَة فنفع أَخَاهُ الْمُسلم وسد حَاجته حِينَئِذٍ بِبَعْضِهَا وَاسْتغْنى هُوَ بباقيها وَهَذَا هُوَ أكمل التَّصَرُّف الصَّالح والرشد التَّام
والجود الْمَذْكُور الْمَشْهُور والايثار بالميسور وَأما التبذل الَّذِي فِيهِ نوع إِسْقَاط الْمُرُوءَة فَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل فِي شَيْء بل هَذَا من الْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع وَعدم رُؤْيَة النَّفس فِي مَحل الاحتشام ورفض أرادة الْمَرْء تَعْظِيم نَفسه بِحَضْرَة الْحَاضِرين وَهَذِه خِصَال محمودة مَطْلُوبَة شرعا وعقلا
وَقد رُوِيَ مثل ذَلِك عَن سيد الانام وأكمل الْخلق مُرُوءَة وعقلا وعلما مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ انه لبس يَوْمًا شملة سَوْدَاء لَهَا حواش بيض وَخرج إِلَى الْمَسْجِد وَجَمَاعَة من الْمُسلمين حُضُور فَرَآهُ إِنْسَان فَقَالَ يَا رَسُول الله أَعْطِنِي هَذِه الشملة وَكَانَ ﷺ لَا يمْنَع سَائِلًا يسْأَله فنزعها رَسُول الله ﷺ عَن كريمه المكرم وَدفعهَا الى ذَلِك
[ ٦٤ ]
الرجل وطفق النَّاس يلومون ذَلِك الرجل على مَا فعل وَكَونه سَأَلَ النَّبِي ﷺ وَكَانَ مُحْتَاجا الى مَا لبسه وَقد علم انه لَا يمْنَع شَيْئا يسْأَله فَقَالَ الرجل معتذرا اليهم إِنِّي لم أطلبها لألبسها لَكِن لأجعلها لي كفنا عِنْد موتِي
قَالَ الرَّاوِي فامسكها عِنْده حَتَّى كَانَت كَفنه
وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور قد رَوَاهُ غير وَاحِد من الْحفاظ النقلَة الثِّقَات وَهُوَ من اوضح الدَّلَائِل على مَا قُلْنَاهُ بل أبلغ فِي الْجُود والتواضع وَكسر النَّفس وكرم الاخلاق
وحَدثني من اثق بِهِ ان الشَّيْخ ﵁ كَانَ مارا يَوْمًا فِي بعض الازقة فَدَعَا لَهُ بعض الْفُقَرَاء وَعرف الشَّيْخ حَاجته وَلم يكن مَعَ الشَّيْخ مَا يُعْطِيهِ فَنزع ثوبا على جلده وَدفعه اليه وَقَالَ بِعْهُ بِمَا تيَسّر وأنفقه وَاعْتذر اليه من كَونه لم يحضر عِنْده شئ من النَّفَقَة
وَهَذَا ايضا من الْمُبَالغَة فِي عدم اكتراثه فِي غير مَا يقرب الى الله تَعَالَى وجوده بالميسور كَائِنا مَا كَانَ وَهَذَا من أبلغ إخلاص الْعَمَل لله ﷿ فسبحان الْمُوفق من شَاءَ لما شَاءَ
وحَدثني من اثق بِهِ أَن الشَّيْخ ﵁ كَانَ لَا يرد أحدا يسْأَله شَيْئا كتبه بل يَأْمُرهُ أَن يَأْخُذ هُوَ بِنَفسِهِ مَا يَشَاء مِنْهَا
[ ٦٥ ]
وَأَخْبرنِي أَنه جَاءَهُ يَوْمًا إِنْسَان يسْأَله كتابا ينْتَفع بِهِ فَأمره ان يَأْخُذ كتابا يختاره فَرَأى ذَلِك الرجل بَين كتب الشَّيْخ مُصحفا قد اشْترى بِدَرَاهِم كَثِيرَة فَأَخذه وَمضى
فلام بعض الْجَمَاعَة الشَّيْخ فِي ذَلِك فَقَالَ ايحسن بِي ان امنعه بعد مَا سَأَلَهُ دَعه فلينتفع بِهِ
وَكَانَ الشَّيْخ ﵁ يُنكر إنكارا شَدِيدا على من يسْأَل شَيْئا من كتب الْعلم الَّتِي يمكلها ويمنعها من السَّائِل وَيَقُول مَا يَنْبَغِي ان يمْنَع الْعلم مِمَّن يَطْلُبهُ
وَمن كرمه انه كَانَ لَا ينظر مَعَ ذَلِك الى جِهَة الْملك والتمول
وَهَذَا الْقدر من كرمه يغنى الْمُقْتَدِي بِهِ
[ ٦٦ ]