في ذكر تعبّده
أمّا تعبّده ــ ﵁ ــ فإنه قلّ أن سُمِع بمثله؛ لأنّه كان قد قطع جُلّ وقته وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما يُراد (^١) له من أهل ولا من مال.
وكان في ليله متفرِّدًا عن الناس كلهم، خاليًا بربه ﷿، ضارعًا، مواظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكرّرًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية.
وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر، يأتي بسنّتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوبَ لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنةً ويسرة، وكان إذا قرأ يمدّ قراءته مدًّا كما صحَّ في قراءة رسول الله - ﷺ -، وكان ركوعه وسجوده وانتصابه عنهما من أكمل ما ورد في صلاة الفرض، وكان يُخفُّ جلوسه للتشهد الأول خفَّة شديدة، ويجهر بالتسليمة الأولى حتى يسمع كلُّ من حضر، فإذا فرغ من الصلاة أثنى على الله ﷿ هو ومن حضر بما ورد من قوله: «اللهم أنت السلام ومنك السلام » (^٢) الحديث، ثم يُقبل على الجماعة، ثم يأتي بالتهليلات الواردات حينئذ، ثم يسبح الله ويحمده ويكبّره ثلاثًا وثلاثين، ويختم المائة بالتهليل، كما ورد، وكذا
_________________
(١) كذا العبارة في النسخ.
(٢) أخرجه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
[ ٧٥٨ ]
الجماعة، ثم يدعو الله تعالى له ولهم وللمسلمين أجناس ما ورد (^١).
وكان غالب دعائه: «اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسّر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك راغبين، لك مخبتين، إليك راهبين، لك مطاويع، ربنا تقبّل توباتنا، واغسل حَوباتنا، وثبّت حُجَجَنا، واهد قلوبنا، واسلل سَخيمة صدورنا» (^٢).
_________________
(١) ما ذكره المؤلف هنا فيه نظر؛ لأنه يخالف فتوى شيخ الإسلام في هذه المسألة، فقد سُئل عن الدعاء عقب الصلاة فأجاب: «لم يكن النبي - ﷺ - يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نُقل ذلك عن أحد ولا استحب ذلك أحدٌ من الأئمة. ومَن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط عليه. ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك. وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ذلك. ولكن طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر. قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة. واستحب طائفة أخرى من أصحاب الشافعي وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس. وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأمورًا به، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب في هذا الموطن، والمنكر على التارك أحق بالإنكار منه؛ بل الفاعل أحق بالإنكار، فإن المداومة على ما لم يكن النبي - ﷺ - يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعًا؛ بل مكروه كما لو داوم على الدعاء قبل الدخول في الصلوات .. فإنه مكروه والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي - ﷺ - كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام ويأمر بذلك». «مجموع الفتاوى»: (٢٢/ ٥١٣ ــ ٥١٢). وانظر «مجموع الفتاوى»: (٢٢/ ٤٩٢).
(٢) ورد هذا الدعاء بألفاظٍ مختلفة عند أحمد (١٩٩٧)، وأبو داود (١٥١٠، ١٥١١)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، وابن حبان (٩٤٧، ٩٤٨)، وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٧٥٩ ]
يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي - ﷺ - .
ثم يشر ع في الذّكر، وكان قد عُرفت عادتُه لا يُكلّمه أحدٌ بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يُسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من الروحانية مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس، ويزول وقتُ النهي عن الصلاة.
وكنت مدّة إقامتي بدمشق ملازمه جلَّ النهار وكثيرًا من الليل، وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها، ويقطع ذلك الوقت كله، أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس في تكرير تلاوتها، ففكّرت في ذلك لِمَ قد لزم هذه السورة دون غيرها؟ فبان لي، والله أعلم، أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ بين ما ورد في الأحاديث وما ذكره العلماء، هل يستحب تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو العكس؟ فرأى ﵁ أنّ في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعًا بين القولين وتحصيلًا للفضيلتين، وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته.
ثم إنه كان يركع، فإذا أراد سماع حديث في مكان آخر سارع إليه من فوره، مع من يصحبه، فقلَّ أن يراه أحدٌ ممن له بصيرة إلا وانكبَّ على يديه فيقبلهما، حتى إنه كان إذا رآه أرباب المعايش يتخَطّون (^١) من حوانيتهم للسلام عليه والتبرّك به، وهو مع هذا يُعطي كُلًّا منهم نصيبًا وافرًا من السلام وغيره، وإذا رأى منكرًا في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى
_________________
(١) (ط): «يتخبطون»، والمثبت من (ك).
[ ٧٦٠ ]
الصلاة عليها، أو تأسّف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه، ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلّي الظهر مع (^١) الجماعة، ثم كذلك بقية يومه.
وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحرّ والعبد، والذكر والأنثى، قد وسع كل من يَرِدُ عليه من الناس، يرى كلٌّ منهم في نفسه أن لم يكرم أحدًا بقدره.
ثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسَّره الله، ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أنا أو غيري، فيفيدنا بالطرائف، ويمدُّنا باللطائف، حتى يصلّي العشاء، ثم بعدها كما كنا وكان من الإقبال على العلوم إلى أن يذهب هَوِيٌّ من الليل طويل، وهو في خلال ذلك كلّه في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى ويوحّده ويستغفره.
وكان ﵁ كثيرًا ما يرفع طَرْفَه إلى السماء، لا يكاد يفتر عن ذلك، كأنّه يرى شيئًا يثْبِته بنظره، فكان هذا دأبه مدّة إقامتي بحضرته، فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت. ما مرَّ على عمري إلى الآن زمانٌ كان أحبَّ إليَّ من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالًا منّي حينئذ، وما كان إلا ببركة الشيخ ﵁.
وكان في كلّ أسبوع يعود المرضى، خصوصًا الذين بالمارستان. وأخبرني غير واحد ممن لا يُشكُّ في عدالته أن جميع زمن الشيخ ينقضي
_________________
(١) (ط): «من».
[ ٧٦١ ]
على ما رأيته. فأيُّ عبادة واجتهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء!
[ ٧٦٢ ]