حاله: كان أعمى «٥»، شديد القحة والشّرّ، معروفا بالهجاء، مسلّطا على
[ ١ / ٢٣١ ]
الأعراض، سريع الجواب، ذكيّ الذهن، فطنا للمعاريض «١»، سابقا في ديوان «٢» الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره.
دخوله غرناطة: وذكر شيء من شعره، ومهاترته مع نزهون بنت القلاعي.
قال «٣» أبو الحسن بن سعيد، في كتابه المسمّى ب «الطالع السعيد»: قدم على غرناطة أيام ولاية أبي بكر بن سعيد عمل غرناطة، ونزل قريبا منه، وكان يسمع به؛ فقال: صاعقة يرسلها الله، ﷿، على من يشاء من عباده، ثم رأى أن يبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعاه بهذه الأبيات: [المجتث]
يا ثانيا للمعرّي في حسن نظم ونثر
وفرط ظرف ونبل وغوص فهم وفكر
صل ثم واصل حفيّا بكلّ شكر وبرّ «٤»
وليس إلّا حديث كما زها عقد درّ
وشادن قد تغنّي «٥» على رباب وزمر
وما يسامح فيه ال غفور من كأس خمر
وبيننا عقد حلف لبان شرك وكفر «٦»
فقم نجدّده عهدا بطيب شكر وسكر «٧»
والكأس مثل رضاع ومن كمثلك يدري؟
ووجّه «٨» له الوزير أبو بكر بن سعيد عبدا صغيرا قاده، فلمّا استقرّ به المجلس، وأفعمته روائح النّدّ»
والعود والأزهار، وهزّت عطفه الأوتار، قال: [البسيط]
دار السّعيديّ ذي أم دار رضوان «١٠» ما تشتهي النّفس فيها حاضر دان
[ ١ / ٢٣٢ ]
سقت أبارقها للنّدّ سحب ندى تحدو برعد لأوتار وألحان «١»
والبرق من كلّ دنّ «٢» ساكب مطرا يحيي به ميت أفكار وأشجان
هذا النعيم الذي كنّا نحدّثه ولا سبيل له إلّا بآذان
فقال أبو بكر بن سعيد: «ولا سبيل له إلّا بآذان» «٣»، فقال: حتى يبعث الله ولد زنا كلما أنشدت هذه الأبيات، قال: وإن قائلها أعمى، فقال: أمّا أنا، فلا أنطق بحرف في ذلك، فقال: من صمت نجا. وكانت نزهون بنت القلاعي، الآتي ذكرها، حاضرة، فقالت: ونراك يا أستاذ، قديم النغمة «٤»، بندّ وغناء وطيب شراب، تتعجب من تأتّيه، وتشبّهه بنعيم الجنة، وتقول: ما كان يلمّ إلّا بالسّماع، ولا يبلغ إليه إلّا بالعيان؟ لكن من يجيء من حصن المدوّر، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النّغم «٥»؟ فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى، فقالت له: دعه «٦»، فقال: من هذه الفاعلة «٧»؟ فقالت: عجوز مقام أمّك، فقال:
كذبت، ما هذا صوت عجوز، إنما هذه نغمة قحبة محترقة تشمّ روائح كذا «٨» منها على فرسخ «٩»، فقال له أبو بكر: يا أستاذ، هذه نزهون بنت القلاعي الشّاعرة الأديبة، فقال: سمعت بها لا أسمعها الله خيرا، ولا أراها إلّا أيرا «١٠» . فقالت له:
يا شيخ سوء تناقضت، وأيّ خير أفضل للمرأة ممّا ذكرت «١١»؟ ففكّر المخزومي ساعة ثم قال: [الطويل]
على وجه نزهون من الحسن مسحة وإن كان قد أمسى من الضّوء عاريا «١٢»
[ ١ / ٢٣٣ ]
قواصد نزهون توارك «١» غيرها ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا «٢»
فأعملت فكرها وقالت «٣»: [المجتث]
قل للوضيع مقالا يتلى إلى حين يحشر
من المدوّر أنشئ ت والخرا «٤» منه أعطر
حيث البداوة أمست في أهلها «٥» تتبختر
لذاك «٦» أمسيت صبّا بكلّ شيء مدوّر «٧»
خلقت أعمى ولكن تهيم في كلّ أعور
جازيت شعرا بشعر فقل لعمري من أشعر «٨»
إن كنت في الخلق أنثى فإنّ شعري مذكّر
فقال لها اسمعي «٩»: [المتقارب]
ألا قل لنزهونة ما لها تجرّ من التّيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة «١٠» شمّرت كما عوّدتني، سربالها
[ ١ / ٢٣٤ ]
فحلف أبو بكر بن سعيد ألّا يزيد أحدهما على الآخر في هجوه كلمة، فقال المخزومي: أكون هجّاء الأندلس وأكفّ عنها دون شيء؟ فقال: أنا أشتري منك عرضها فاطلب، فقال: بالعبد الذي أرسلته فقادني إلى منزلك، فإنه ليّن القدّ رقيق الملمس «١» . فقال أبو بكر: لولا أنه صغير كنت أبلّغك فيه مرادك، وأهبه لك؛ ففطن لقصده، وقال: أصبر عليه حتى يكبر، ولو كان كبيرا ما آثرتني على نفسك؛ فضحك أبو بكر وقال: قد هجوت نثرا، وإن لم تهج نظما، فقال: أيها الوزير، لا تبديل لخلق الله. وانفصل المخزومي بالعبد بعدما أصلح بينه وبين نزهون.
وقال يمدح القاضي بغرناطة أبا الحسن بن أضحى «٢»، رحمهما الله «٣»:
عجبا للزمان يطلب هضمي «٤» وملاذي منه عليّ بن أضحى
جاره قد سما على النّطح عزّا ليس يخشى من حادث الدهر «٥» نطحا
فكأنّي علوت قرن فلان أيّ تيس مطوّل القرن ألحى
فقال له ابن أضحى: هلّا اقتصرت على ما أنت بسبيله، فكم تقع في الناس؟
فقال: أنا أعمى وهم حفر فلا أزال أقع فيها، فقال: فأعجبني كلامه على قبحه.
وحديث مقامه بغرناطة يقتضي طويلا.
وفاته: قال أبو القاسم بن خلف، كان حيّا بعد الأربعين وخمسمائة.