من أهل تازيّ، يكنى أبا سالم، ويعرف بابن أبي يحيى.
حاله: من أهل «الكتاب المؤتمن» «٢»: كان «٣» هذا الرجل قيّما على «التّهذيب»، و«رسالة ابن أبي زيد»، حسن الإقراء لهما؛ وله عليهما تقييدان نبيلان، قيّدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصّغير، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس، ولم أر في متصدّري بلده أحسن تدريبا «٤» منه. كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفيا حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما في أيديهم «٥» من الأدوات؛ وكان مجلسه وقفا على «التهذيب» و«الرسالة»؛ وكان مع ذلك شيخا «٦» فاضلا، حسن اللقاء، على خلق بائنة من «٧» أخلاق أهل مصره. امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمرّ في ذلك حظّ كبير من عمره ضائعا، لا في راحة دنيا، ولا في نصيب «٨» آخرة. ثم قال: هذه «٩» سنّة الله فيمن خدم الملوك، ملتفتا إلى ما يعطونه، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته، أن يبوؤا «١٠» بالصّفقة الخاسرة، لطف الله بمن ابتلي بذلك، وخلّصنا خلاصا جميلا.
[ ١ / ١٩٦ ]
ومن كتاب «عائد الصلة» «١»: الشيخ، الحافظ، الفقيه، القاضي، من صدور المغرب، مشاركا «٢» في العلم، متبحّرا «٣» في الفقه، كان وجيها عند الملوك، صحبهم، وحضر مجالسهم، واستعمل في السفارة، فلقيناه بغرناطة، وأخذنا بها عنه؛ تامّ السّراوة «٤»، حسن العهد، مليح المجالس، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب.
تصانيفه: قيّد «٥» على «المدوّنة» بمجلس شيخه القاضي «٦» أبي الحسن كتابا مفيدا وضمّ أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب «الرسالة» شرحا عظيم الفائدة.
مشيخته: لازم «٧» أبا الحسن الصغير، وهو كان قارىء كتب الفقه عليه، وجلّ انتفاعه في التفقّه به. وروى عن أبي زكريا بن أبي ياسين «٨»، قرأ عليه كتاب «الموطّأ»، إلّا كتاب «المكاتب»، وكتاب «المدبّر»، فإنه سمعه بقراءة الغير، وعن أبي عبد الله بن رشيد، قرأ عليه «الموطأ»، و«شفاء» عياض، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السّداري «٩»
، قرأ عليه «الأحكام الصغرى» لعبد الحق، وأبي الحسن بن سليمان، قرأ عليه «رسالة ابن أبي زيد»، وعن غيرهم.
وفاته: فلج بآخرة، فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان فمن «١٠» دونه، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة «١١» .