أوّليّته: جدّه عبد المؤمن، جذع الشجرة، وينبوع الجداول؛ هو ابن علي بن علوي بن يعلى بن موار بن نصر بن علي بن عامر بن موسى بن عون الله بن يحيى بن ورجايغ بن سطفور بن نفور بن مطماط بن هزرج بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وكان طالبا بربريّا ضعيفا، خرج مع عمّه يؤمّ للشرق، وكان رأى رؤيا هالته تدلّ على ملك، إذ كانت صفحته من طعام على ركبتيه، يأكل منها الناس، وكانت أمه رأت وهي حامل، كأنّ نارا خرجت منها أحرقت المشرق والمغرب؛ فكانت في نفسه حركة، لأجل هذه الرؤيا؛ فلمّا حلّ بسجلماسة، سمع بها عن المهدي، وكان رجلا يعرف بأبي عبد الله السّوسي، ووصف له بالعلم، فتشوّف إلى لقائه، ليرى ما عنده في تأويل رؤياه؛ فانصرف إليه مع بعض الطلبة، فلقي رجلا قد وسمه، على ما يزعم الناس، حدثان من أبي حامد الغزالي، وعلقت به دعوة منه، في إذهاب ملك أهل اللّثام «٤»، لحرق كتابه على أيديهم، فهو مغرّى بالخروج عليهم، مهيأ في عالم الغيب إلى تخريب دعوتهم؛ فوافق شنّ طبقة «٥»، وما اجتمع الدّاآن إلّا ليقتتلا، والله غالب على أمره، فأجلسه، وسأله عن اسمه، وبلده، وسنّه، ونسبه، بالتعريف؛ وأمره أن يخفي من أمره، وعبّر له رؤياه، بأنه يملك الأرض؛ فاهتزّت الآمال وتعاضدت؛ ونفذت مشيئة الله؛ بأن دالت الدولة، وهلك محمد بن تومرت المهدي؛ فأفضى الأمر إلى عبد المؤمن، واستولى على ملك اللّمتونيين، فأباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واستولى على
[ ١ / ٢٢٢ ]
ملك المغرب، فأقام به رسما عظيما، وأمرا جسيما، وأورثه بنيه من بعده، والله يؤتي ملكه من يشاء.
حاله: كان، ﵀، شهما شجاعا، جريئا، بعيد الهمّة، نافذ العزيمة، قويّ الشكيمة، لبيبا، كاتبا أديبا، فصيحا، بليغا، أبيّا، جوادا، حازما. وذكره ابن عسكر المالقي في تاريخ بلده؛ قال: دخل مالقة من قبل أخيه، فوصل إليها في الحادي عشر من محرم، وهو شاب حدث، فكان منه من نباهة القدر وجلالة النفس، وأبّهة الملك ما يعجز عنه كثير من الملوك. ولحين وصوله عقد مجلس مذاكرة، استظهر له نبهاء الطلبة، وكان الشيخ علي بن عبد المجيد يحضره. وكان يبدو منه، مع حداثة سنّه، من الذكاء والنّبل والتفطّن، ما كان يبهت الحاضرين، وكانوا ينظرون منه إلى بدريّ الحسن، وأسديّ الهيبة، وكهليّ الوقار والتؤدة؛ واشتغل بما يشتغل به الملوك من تفخيم البناء، كبنيان رياض السيّد الذي على ضفة الوادي «١» بمالقة المعروف باسمه، لله ورسوله، وكان عرفاء البنّائين لا يتصرفون إلّا بنظره؛ واستمرّت ولايته مفخّم الأمر، عظيم الولاية، إلى أن نقل منها إلى قرطبة، ثم نقل إلى إشبيلية وفيها بويع الخلافة «٢» .