السلطان الذي احتال على أخيه، المتوثّب على ملكه، يكنى أبا الوليد.
[ ١ / ٢١٤ ]
حاله: كان صبيّا كما اجتمع وجهه، بادنا «١» دمث الخلق، ليّن الجانب، شديد البياض، كثيف الحاشية، متصلا بالجفوة، لطول الحجبة، وبعد التمرّن والحنكة، غرّا، فاقدا لحسن الأدب، عريقة ألفاظه في العجمة. تصيّر الأمر إلى أخيه السلطان خيرتهم ولباب بيتهم، يوم قتل أبوهما؛ وله مزية السّنّ والرّجاحة والسكنى بمحل وفاة الأب؛ فأبقى عليه، وأسكنه بعض القصور لصقه، ولم يضايق أمّه فيما استأثرت به من بيت المال، إذ كان إقليده في يدها، وبيضاؤه وصفراؤه في حكمها، ورفّه متبوّأه، واستدعى له ولأخيه المعلم الذي كان السبب في إفاتة إرماقهما، وإعدام حياتهما، الشيخ السّفلة محمد البطروجي البائس، فردّ ذلك السّرب، فاستمرّت أيام احتجابه وانتظاره على قصره، إلى رمضان من عام ستّين وسبعمائة. وحرّك سماسرة الفتنة له ولأمّه جواز الطمع في الملك، ودندنوا لها حتى رقصت على إيقاعهم، وخفّت إلى مواعدهم، وشمّروا إلى خلاص الأمر؛ وأحام الوثبة صهره الرئيس أبو عبد الله، حلف الشؤم زوج أخته، محمد بن إسماعيل، الشهير الكائنة، المذكور في موضعه من حرف الميم، فسيّرت إليه أمّه المال، فبثّه في الدعرة والشرار، حتى تمّ غرضه، واقتحم القلعة من بعض أسوارها عند البالية، وقد هدم منها شيء في سبيل إصلاحه، ليلة الأربعاء الثامن والعشرين لرمضان من عام ستين وسبعمائة؛ والسلطان ليلتئذ غير حالّ بها، فملؤوها لجبا ولغطا وصراخا وهولا وتنويرا، في جملة تناهز المائة؛ وانضاف إليهم أخوان رأيهم من حرّاسها وسكانها؛ فألبس الناس، وسقط في أيديهم. وأهدى الليل فتكتة هائلة، وأدّاها شنيعة، فاقتصر كل على النظر لنفسه، وانقسموا فرقتين؛ قصدت إحداهما دار كبير الدولة، وقيّوم التّفويض، وشيخ رجال الملك رضوان، المستبدّ بإحالة كورتها، الشيخ الذّهول، معزوز القدر، ورائب النّكتة، ومعود الإقالة، وجرّار رسن الأطواد، وطول الإملا، الماشي على خدّ الدنيا، المغضوض البصر عن النّظر، المستهين بكل سبّة وحيّة تسعى، المعوّل على نظره، وقوة سعده وإجابة دعوته، مع كونه نسيج وحده في عفافه وديانته، ورضى الناس به، وسقوط منافستهم من أجله، ومأويهم على مولّ لفظه، وبساط معاملته، وصحة عقده. فعالجوا بابه طويلا وتولّجوا داره، وقتلوه بين أهله وولده.
وقصدت الأخرى دار الأمير المترجم به ومعها صهره، فأخرجوه، وأركبوه على فرس، راعد الفرائض، ممتقع اللون، مختلط القول، تحفّ به داياته بين مولولة،
[ ١ / ٢١٥ ]
وتافلة ومعوّذة، قد جعلوا به سيفا مصلتا على سبيل اللّواعب بالنّصول والرّواقص، في مدارج اللهو؛ واستخرجت طبول الملك فقرعت، وقيدت الخيل من مرابطها فركبت، وقصدت الخزائن السلاحية ففرقت، وتمّ الأمر، وحلّ من الريب على دار الإمارة القصد، وخرجت الكتب إلى البلاد والقواعد، فالتقت باليد أمهاتها لقطع من بها من أولي الأمانة، بتمام الأمر، وهلاك السلطان، فتمّ له الأمر، وبادر أخوه السلطان لحينه لظهر سابق كان مرتبطا عند مجرّ له من الجنّة لصق القلعة، فاستأجر الليل، ووافق الحزم، فاستقرّ بوادي آش، وكان أملك بها، ونازلته المحلّات، وأخذ بمخنّقه الحصص، واستنصرت لمنازلته الناس، وأعملت الحيل؛ وتأذّن الله بثبوت قدمه، وانتقاله إلى ملك المغرب صبح عيد النحر من العام المذكور؛ إلى أن أعاد الله إليه أمره وردّ عليه حقّه، وتولّى بعد اليأس جبره، حسبما يذكر في موضعه، إن شاء الله.
وخلا الجو لهذا الأمير المضعوف، واستولى على أريكة الملك الأغمار وأولو البطالة، وأولياء صهره الرئيس، خاطبها له ابتداء ثم ناقلها إلى نفسه انتهاء، وحاملها إلى غايته درجا، وإلى إعاقته سلّما؛ وهو ما هو من غشّ الحبيب، وسوء العقد، ودخل السريرة، واستيطان المكروه، فأغرى منه بالعهد نفسا مطاوعة للشهوة، متبرّمة بالامتحان والخلوة، بريّة من نور العلم وتهذيب الحكمة، ناشئة بين أخابيث القسوة، جانية أماني الشهوة والمخالفة، مضادّة للفلاح، حايدة عن سبيل النجاة، بمحل اغتراب عن النّصحاء، وانتباذ عن مقاعد الأحرار؛ فجرى طلق الجموح في التخلّف، حتى كبا لفيه ويديه، وأعان نسمة السوء الرئيس على نفسه؛ وقد كان اصطنع الرجال، واستركب أولي البسالة، وأسالف الدّعرة؛ واختصّ في سبيل خدمته والذبّ عنه، بالبؤساء والمساعير، يشركهم في الأكلة، ويصافيهم النعمة. وأظلم ما بينهما، فحذر كلّ جانب أخيه، إلّا أن المهين كا أضعف من أن يستأثر بخطة المعالجة، ويهتدي إلى سبيل الحزم. وفي عشيّ يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر شعبان، شارفه من مكمن غدره الرّحب بجوار قصره، وارتبط به الخيل واستكثر من الحاشية، وأخفى المساعير، وداخل الموروري المشؤوم على الدولة، فبادر رجاله سدّ الأبواب، وانخرط في جملة أوباشه من باب السلطان، من الرّجل لنظر ممالئه في العناء، وعونه على الهول الموروري، فأحاط به، وقد بادر الاعتصام بالمصنع ثاني الصرح المنسوب إلى هامان سموّا ونفالا في السّكاك «١» وسعة ذرع. وبعدما رقي وصرخ بالناس،
[ ١ / ٢١٦ ]
يناشدهم الذّمام، فخفّ إليه منهم الكثير، وتراكموا بالطريق تحته، وتولّى استنزاله عن سويّه مملوك أبيه، العلج المخذول عبّاد، وقد تحصّل في قبضته الغادر، فقتل له في الغارب والذّروة، ووعده الحياة، فنزل عن أمان فسحة الغدر الصّراح، والوفاء المستباح. ولحين استهاله، أمر نقله إلى المطبق، فقيد مختبلا كثير الضراعة، إلى الأريّ «١» لصق قصره، وتعاورته السيوف، وألحق به صغيره قيس، استخرج من بعض الخزائن، وقد جهدت أمّه في إخفائه؛ فمضى لسبيله، وطرح رأسه على الرّعاع المجيبين لندائه، فانفضّوا لحينه، وبقي مطروحا موارى بحلس «٢» دابّة من دواب الظهر، إلى يوم بعده، فووري هو وأخوه بمقربة من مدفن أبيهما، فكان من أمرهما عبرة. وقد استوفى ذلك الكتاب المسمى ب «نفاضة الجراب» من تأليفنا.
وزراء دولته: قدّم للوزارة عشية «٣» يوم ولايته، محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري، بطالع الشؤم، ونعبة النحس. عهد بالطبيب الإسرائيلي الحبري العظيم المهارة في الفن النجومي، إبراهيم بن زرزار، يتطاير بتلك الولاية بكون النّحس الأعظم في درجة طالعها، جذوا انفرد بنحز أديمه الجهّالة، المعدودون في البهم والهمج، الذين لا يعبأ الله بهم؛ فكان الخبر وفوق الخبر، فلم ير في الأندلس وزارة أثقل وطأة، ولا أخبث عهدا، ولا أعظم شرها، ولا أكثر حجرا منها. ثم كانت عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها، وذلك جزاء الظالمين من رجل حبركى «٤»، كمد اللون، تنطف سحنته مرّة وسمّا، غائر العين، مطأطئ الرأس، طرف في الحقد والطمع وعيّ المنطق وجمود الكفّ، معدن من معادن الجهل، مثل في الخيانة؛ تناول الأمر مزاحما فيه بالرئيس المتوثّب، وابن عمّ نفسه، الغادر، الضخم الجرارة، بالوعث المهين، وثور النقل، وثعبان الفواكه، وصاعقة الأخونة «٥»، ووكيل الدولة المنحطّ عن خلالهم بالأبوّة والنشأة؛ فجرت أمورها أسوأ مجاريها، إلى أن كان ما أذن الله به، من مداخلة الرئيس الغادر، على قتل أميره المسكين المهين، مقلّده أنوه الرّتب، وتاركه وخطة الخيانة؛ ثم أخذه الأخذة الرابية بيد من أمدّه في الغيّ، وظاهره في الخزي؛ فجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه، وموعظة للمتّقين، حسبما يأتي في اسمه، بحول الله تعالى.
[ ١ / ٢١٧ ]
كاتبه: واستعمل في الكتابة صاحبنا الرجل الأخرق، الطّوال، الأهوج، البريّ من الخلال الحميدة، إلّا ما كان من وسط الخط وسوقيّ السجع، والدرك الأسفل من النظم، عبد الحق «١» بن محمد بن عطية المحاربي، الآتي ذكره «٢» . وهو الذي أفرده الله، ﷻ؛ بالغاية البعيدة من مجال سوء العهد؛ وقلّة الوفاء. وتولّى القضاء أبو جعفر «٣» أحمد بن أبي القاسم بن جزي أياما، ثم شهّر به قوم من الفقهاء منافسيه، ورشقوه بما أوجب صرفه؛ وقدّم للقضاء الشيخ المسنّ، الطويل السّباحة في بحر الأحكام، المفري الودجين والحلقوم بسكّين القضاء، المنبوز «٤» بالموبقات فيه، تجاوز الله عنه، سلمون بن علي بن سلمون. وشيخ الغزاة على عهده، يحيى بن عمر بن عبد الله بن عبد الحق، شيخ الغزاة لأخيه، أصبح يوم الكائنة في قياده، ونصح له فأمر له؛ وضاعف برّه.