قال المؤلّف: ولمّا استقرّ بهذه الكورة الكريمة أهل الإسلام، وأنزل الأمير أبو الخطار قبائل العرب الشاميّين بهذه الكورة، وأقطعهم ثلث أموال المعاهدين، استمرّ سكناهم في غمار من الروم؛ يعالجون فلاحة الأرض، وعمران القرى، يرأسهم أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة، ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم.
وأحدهم رجل يعرف بابن القلّاس، له شهرة وصيت، وجاه عند الأمراء بها. وكانت لهم بخارج الحضرة، على غلوتين «٢»، تجاه باب إلبيرة في اعتراض الطريق إلى قولجر، كنيسة شهيرة، اتخذها لهم أحد الزعماء من أهل دينهم، استركبه بعض أمرائها في جيش خشن من الروم، فأصبحت فريدة في العمارة والحلية؛ أمر بهذمها الأمير يوسف بن تاشفين «٣»، لتأكّد رغبة الفقهاء، وتوجّه فتواهم. قال ابن الصّيرفي: خرج أهل الحضرة لهدمها يوم الاثنين عقب جمادى الآخرة من عام اثنين وتسعين وأربعمائة، فصيّرت للوقت قاعا، وذهبت كلّ يد بما أخذت من أنقاضها وآلاتها.
[ ١ / ٢١ ]
قلت: ومكانها اليوم مشهور، وجدارها ماثل ينبئ عن إحكام وأصالة، وعلى بعضها مقبرة شهيرة لابن سهل بن مالك، ﵀.
ولمّا تحرّكت لعدو الله الطّاغية ابن رذمير ريح الظّهور، على عهد الدولة المرابطيّة، قبل أن يخضد الله شوكته على إفراغة «١» بما هو مشهور، أملت المعاهدة «٢» من النصارى لهذه الكورة إدراك الثّرّة، وأطمعت في المملكة، فخاطبوا «٣» ابن رذمير من هذه الأقطار، وتوالت عليه كتبهم وتواترت رسلهم، ملحّة بالاستدعاء مطمعة في دخول غرناطة «٤»، فلمّا أبطأ عنهم، وجّهوا إليه زماما يشتمل على اثني عشر ألفا من أنجاد مقاتليهم، لم يعدّوا فيها شيخا ولا غرّا، وأخبروه أنّ من سمّوه، ممّن شهرت «٥» أعينهم لقرب مواضعهم، وبالبعد من يخفى أمره، ويظهر عند ورود شخصه، فاستأثروا طمعه وابتعثوا جشعه، واستفزّوه بأوصاف غرناطة، وما لها من الفضائل «٦» على سائر البلاد وبفحصها الأفيح، وكثرة فوائدها من القمح والشّعير، والكتّان، وكثرة المرافق، من الحرير والكروم، والزيتون، وأنواع الفواكه، وكثرة العيون والأنهار، ومنعة قبّتها «٧» وانطباع رعيّتها، وتأتي أهل حاضرتها، وجمال إشرافها وإطلالها، وأنّها المباركة التي يمتلك منها غيرها، المسمّاة سنام الأندلس عند الملوك في تواريخها، فرموا حتى أصابوا غربه، فانتخب وأحشد، وتحرّك أول شعبان من عام خمسة عشر وخمسمائة «٨» وقد أخفى مذهبه، وكتم أربه، فوافى «٩» بلنسية، ثم إلى مرسية، ثم إلى بيرة، ثم اجتاز بالمنصورة ثم انحدر إلى برشانة، ثم تلوّم إلى وادي ناطلة. ثم تحرّك إلى بسطة، ثم إلى وادي آش، فنزل بالقرية المعروفة بالقصر «١٠» وصافح المدينة بالحرب، ولم يحل بطائل، فأقام عليها شهرا.
[ ١ / ٢٢ ]
قال صاحب كتاب «الأنوار الجليّة» «١»: فبدأ «٢» بحث المعاهدة بغرناطة في استدعائه، فافتضح تدبيرهم باجتلابه، وهمّ أميرها «٣» بتثقيفهم «٤»، فأعياهم ذلك، وجعلوا يتسلّلون إلى محلّته على كل طريق، وقد أحدقت جيوش المسلمين من أهل العدوة «٥» والأندلس بغرناطة، حتى صارت كالدّائرة، وهي في وسطها كالنّقطة، لمّا أنذروا بغرضه؛ وتحرّك من وادي آش فنزل بقرية دجمة «٦»؛ وصلّى الناس بغرناطة صلاة الخوف، يوم عيد النّحر من هذه السنة في الأسلحة والأبّهة؛ وبعيد الظهر من غده، ظهرت أخبية الرّوم بالقيل شرق المدينة، وتوالى الحرب على فرسخين منها، وقد أجلى السّواد، وتزاحم الناس بالمدينة، وتوالى الجليد، وأظلّت الأمطار. وأقام العدو بمحلّته بضع عشرة ليلة لم تسرح له سارحة، إلّا أنّ المعاهدة تجلب «٧» له الأقوات؛ ثم أقلع وقد ارتفع طعمه عن المدينة، لأربع بقين من ذي الحجة عام عشرين «٨»، بعد أن تفرّغ مستدعيه إليها، وكبيره يعرف بابن القلّاس، فاحتجّوا ببطئه وتلوّمه حتى تلاحقت الجيوش، وأنهم قد وقعوا مع المسلمين في الهلكة، فرحل عن قرية مرسانة إلى بيش، ومن الغد إلى السكة من أحواز قلعة يحصب «٩» ثم اتصل إلى لدوبيانة، ونكب إلى قبرة واللسّانة «١٠»، والجيوش المسلمة في أذياله.
وأقام بقبرة١»
أياما، ثم تحرّك إلى بلاي والعساكر في أذياله، وشيجة في فحص الرّنيسول «١٢» مكافحة في أثنائها، مناوشة، وظهورا عليه.
[ ١ / ٢٣ ]
ولمّا جنّ الليل، أمر أميرهم «١» برفع خبائه من وهدة كان فيها إلى نجدة، فساءت الظنون، واختلّ الأمر، ففرّ الناس وأسلموا، وتهيّب العدو المحلّة، فلم يدخلها إلّا بعد هدأة من الليل واستولى عليها. وتحرّك بعد الغد منها إلى جهة الساحل فشقّ العمامة الآمنة من الإقليم والشّارّات «٢»، فيقول بعض شيوخ تلك الجهة:
إنه اجتاز بوادي شلوبانية المطلّ الحافّات، والمتحصّن المجاز، وقال بلغته: أيّ قبر هذا لو ألفينا من يصبّ علينا التراب! ثم عرّج يمنة حتى انتهى إلى بلّش، وأنشأ بها جفنا «٣» صغيرا يصيد له حوتا، أكل منه كأنه نذر كان عليه، وفّى به، أو حديث أراد أن يخلّد عنه، ثم عاد إلى غرناطة، فاضطرب بها محلته بقرية ذكر، على ثلاثة فراسخ منها قبلة، ثم انتقل بعد ذلك بيومين إلى قرية همدان «٤»، وبرز بالكتب جاعرسطة «٥» من المدينة، وكان بينه وبين عساكر المسلمين مواقعة عظيمة؛ ولأهل غرناطة بهذا الموضع حدثان ينظرونه من القضايا المستقبلة.
قال ابن الصّيرفي: وقد ذكر في بعض كتب الجفر: «هذا الفحص، بخراب يجبى عن يتامى وأيامى» . وكان هذا اليوم معرّضا لذلك، فوقى الله؛ وانتقل بعد يومين إلى المرج مضيّقا عليه والخيل تحرجه، فنزل بعين أطسة، والجيوش محدقة به، وهو في نهاية من كمال التّعبئة، وأخذ الحذر، بحيث لا تصاب فيه فرصة؛ ثم تحرّك على البراجلات، إلى اللقوق، إلى وادي آش، وقد أصيب كثير من حاميته؛ وطوى المراحل إلى الشرق؛ فاجتاز إلى مرسية، إلى جوف شاطبة، والعساكر في كل ذلك تطأ أذياله، والتّناوش «٦» يتخطّر به، والوباء يسرع إليه، حتى لحق بلاده، وهو ينظر إلى قفاه، مخترما، مفلولا من غير حرب، يكاد الموت يستأصل محلّته وجملته.
ولمّا بان للمسلمين من مكيدة جيرانهم المعاهدين، ما أجلت عنه هذه القضية، أخذهم الإرجاف، ووغرت لهم الصّدور. ووجّه إلى مكانهم الحزم، ووجّه القاضي
[ ١ / ٢٤ ]
أبو الوليد بن رشد الأجر، وتجشّم المجاز «١»، ولحق بالأمير علي بن يوسف بن تاشفين بمرّاكش، فبيّن له أمر الأندلس، وما منيت «٢» به من معاهدها، وما جنوه عليها من استدعاء الرّوم، وما في ذلك من نقض العهد، والخروج عن الذّمة، وأفتى بتغريبهم، وإجلائهم عن «٣» أوطانهم وهو أخفّ ما يؤخذ به من عقابهم؛ وأخذ بقوله، ونفّذ بذلك عهده، وأزعج منهم إلى برّ العدوة، في رمضان من العام المذكور، عدد جمّ، أنكرتهم الأهواء، وأكلتهم الطرق، وتفرّقوا شذر مذر، وأصاب كثير من الجلاء جمعتهم من اليهود؛ وتقاعدت بها منهم طائفة، هبّت لها بممالأة بعض الدول ريح، فأمّروا وأكثروا إلى عام تسعة وخمسين وخمسمائة، ووقعت فيهم وقيعة احتشّتهم، إلّا صابة «٤» لهذا العهد قليلة، قديمة المذلّة، وحالفت الصّغار. جعل الله العاقبة لأوليائه.