قال المؤلّف: اختلف المؤرّخون في فتحها؛ قال ابن القوطيّة «٦»: إن يليان «٧» الرّومي الذي ندب العرب إلى غزو الأندلس طلبا لوتره «٨» من ملكها لذريق بما هو معلوم، قال لطارق بن زياد مفتتحها عندما كسر جيش الرّوم على وادي لكّه: قد فضضت جيش القوم «٩» ودوّخت حاميتهم، وصيّرت الرّعب في قلوبهم، فاصمد لبيضتهم؛ وهؤلاء أدلّاء من أصحابي، ففرّق جيوشك في البلدان بينهم «١٠»، واعمد أنت إلى طليطلة بمعظمهم، وأشغل القوم عن النظر في أمرهم «١١»، والاجتماع إلى وليّ رأيهم.
قال «١٢»: ففرّق طارق جيوشه من إستجّة؛ فبعث مغيثا «١٣» الرّومي، مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى قرطبة؛ وبعث جيشا آخر إلى مالقة «١٤»؛ وأرسل
[ ١ / ١٨ ]
جيشا ثالثا إلى غرناطة مدينة إلبيرة؛ وسار هو في معظم الناس إلى كورة جيّان «١» يريد طليطلة. قال «٢»: فمضى الجيش الذي وجّه طارق إلى مالقة ففتحها، ولجأ علوجها إلى جبال هناك ممتنعة. ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجّه إلى إلبيرة، فحاصروا مدينتها، وفتحوها عنوة؛ وألفوا بها يهودا ضمّوهم إلى قصبة غرناطة؛ وصار لهم ذلك سنّة متّبعة، متى وجدوا بمدينة فتحوها «٣» يهودا، يضمّونهم إلى قصبتها، ويجعلون معهم طائفة من المسلمين يسدّونها. ثم مضى الجيش إلى تدمير.
وكان دخول طارق بن زياد الأندلس يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين «٤» . وقيل في شعبان، وقيل في رمضان، بموافقة شهر غشت من شهور العجمية.
وذكر معاوية بن هشام وغيره «٥»: أن فتح ما ذكر تأخّر إلى دخول موسى بن نصير في سنة ثلاث وتسعين. فتوجّه ابنه عبد الأعلى في جيش إلى تدمير فافتتحها، ومضى»
إلى إلبيرة فافتتحها، ثم توجّه إلى مالقة.
قال المؤلّف ﵀: ولمّا استقرّ ملك الإسلام بجزيرة الأندلس، ورمى إلى قصبتها الفتح، واشرأبّ في عرصاتها الدّين، ونزلت قرطبة وسواها العرب، فتبوّؤوا الأوطان، وعمروا البلدان، فالدّاخلون على يد موسى بن نصير يسمّون بالبلديّين، والداخلون بعضهم مع بلج بن بشر القشيري، يسمّون بالشّاميين. وكان دخول بلج بن بشر القشيري بالطّالعة البلجيّة سنة خمس وعشرين ومائة.
ولمّا دخل الشاميّون مع أميرهم بلج، حسبما تقرّر في موضعه، وهم أسود الشّرى «٧» عزّة وشهامة، غصّ بهم السابقون إلى الأندلس، وهم البلديّون، وطالبوهم بالخروج عن بلدهم الذي فتحوه، وزعموا أنه لا يحملهم وإياهم، واجتمعوا لغزوهم، فكانت الحروب تدور بينهم، إلى أن وصل الأندلس أبو الخطّار حسام بن ضرار الكلبي، عابرا إليها البحر من ساحل تونس، وأظلّ على قرطبة على حين غفلة، وقد
[ ١ / ١٩ ]
ستر خبر نفسه، والحرب بينهم، فانقاد إليه الجميع بحكم عهد مدينه حنظلة بن صفوان والي إفريقية «١»، وقبض على وجوه الشاميّين عازما عليهم في الانصراف حسبما هو مشهور؛ ورأى تفريق القبائل في كور الأندلس، ليكون أبعد للفتنة، ففرّقهم، وأقطعهم ثلث أموال أهل الذّمّة، الباقين من الرّوم، فخرج القبائل الشاميون عن قرطبة.
قال أبو مروان: أشار على أبي الخطار، أرطباس قومس الأندلس، وزعيم عجم الذمّة «٢»، ومستخرج خراجهم لأمراء المسلمين- وكان هذا القومس شهير العلم والدهاء- لأول الأمر، بتفريق القبائل الشاميين العلمين عن البلد، عن دار الإمارة قرطبة، إذ كانت لا تحملهم، وإنزالهم بالكور، على شبه منازلهم التي كانت في كور شامهم، ففعل ذلك على اختيار منهم؛ فأنزل جند دمشق كورة إلبيرة، وجند الأردن كورة جيّان، وجند مصر كورة باجة، وبعضهم بكورة تدمير؛ فهذه منازل العرب الشاميين؛ وجعل لهم ثلث أموال أهل الذّمّة من العجم طعمة؛ وبقي العرب والبلديّون والبرابر «٣» شركاؤهم؛ فلمّا رأوا بلدانا شبه بلدانهم بالشام، نزلوا وسكنوا واغتبطوا وكبروا وتموّلوا، إلّا من كان قد نزل منهم لأول قدومه في الفتوح على عنائهم موضعا رضيّا، فإنه لم يرتحل عنه، وسكن به مع البلديّين.
فإذا كان العطاء أو حضر الغزو ولحق بجنده، فهم الذين كانوا سمّوا الشّادّة حينئذ.
قال أحمد بن موسى: وكان الخليفة يعقد لواءين، لواء غازيا، ولواء مقيما؛ وكان رزق الغازي بلوائه مائتي دينار. ويبقى المقيم بلا رزق ثلاثة أشهر؛ ثم يدال بنظيره من أهله أو غيرهم. وكان الغزاة من الشّاميين مثل إخوة المعهود له أو بنيه أو بني عمّه، يرزقون عند انقضاء غزاته عشرة دنانير؛ وكان يعقد المعقود له مع القائد؛ يتكشّف عمّن غزا، ويستحقّ العطاء، فيعطى على قوله تكرمة له؛ وكانت خدمتهم في العسكر، واعتراضهم إليه؛ وكان من الشّاميين غازيا من غير بيوتات العقد، ارتزق خمسة دنانير عند انقضاء الغزو. ولم يكن يعطى أحد من البلديين شيئا غير المعقود له؛ وكان البلديّون أيضا يعقد لهم لواءان؛ لواء غاز، ولواء مقيم؛ وكان يرتزق الغازي
[ ١ / ٢٠ ]
مائة دينار وازنة؛ وكان يعقد لغيره إلى ستة أشهر، ثم يدال بنظيره من غيرهم؛ ولم يكن الدّيوان والكتبة إلّا في الشّاميين خاصّة؛ وكانوا أحرارا من العشر، معدّين للغزو، ولا يلزمهم إلّا المقاطعة على أموال الرّوم التي كانت بأيديهم؛ وكان العرب من البلديين يؤدّون العشر، مع سائر أهل البلد، وكان أهل بيوتات منهم يغزون كما يغزو الشاميّون، بلا عطاء، فيصيّرهم إلى ما تقدّم ذكره. وإنما كان يكتب أهل البلد في الغزو؛ وكان الخليفة يخرج عسكرين، إلى ناحيتين، فيستنزلهم؛ وكانت طائفة ثالثة يسمّون النّظراء من الشاميين والبلديين، كانوا يغزون كما يغزو أهل البلد من الفريقين.
وقد بيّنّا نبذة من أحوال هؤلاء العرب. والاستقصاء يخرج كتابنا عن غرضه، والإحاطة لله سبحانه.