[ ١ / ١٧٤ ]
: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: الشَّاذُّ عِنْدَنَا مَا يَرْوِيهِ الثِّقَاتُ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَيَرْوِيهِ ثِقَةٌ خِلَافَهُ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا. وَالَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ: الشَّاذُّ: مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشُذُّ بِذَلِكَ شَيْخٌ ثِقَةٌ كَانَ أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ، فَمَا كَانَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَمَتْرَوْكٌ، لَا يُقْبَلُ، وَمَا كَانَ عَنْ ثِقَةٍ يُتَوَقَّفُ فِيهِ،
[ ١ / ١٧٦ ]
وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَوَالِيَ الْأَسَانِيدِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَشِدَ طَالِبُ هَذَا الشَّأْنِ لِتَحْصِيلِهِ، وَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، وَالْعَوَامُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِقُرْبِ الْإِسْنَادِ وَبِبُعْدِهِ، وَبِقِلَّةِ الْعَدَدِ وَكَثْرَتِهِمْ، وَأَنَّ الْإِسْنَادَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْعَدَدِ، وَأَحَدَهُمَا أَعْلَى، بِأَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ عُلَمَاءُ وَحُفَّاظًا. رُوِيَ لَنَا أَنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَالَ لِتَلَامِذَتِهِ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالُوا: نُحِبُّ الْأَعْمَشَ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِسْنَادًا. قَالَ: وَيْحَكُمُ، الْأَعْمَشُ شَيْخٌ عَالِمٌ، وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَلَكِنْ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ. وَمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى نُسَخِ الضِّعَافِ الْكَذَّابِينَ، الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَحَادِيثَ، وَوَجَدَهَا قَرِيبَةَ الْإِسْنَادِ ظَنَّهَا مِمَّا يُعْبَأُ بِهِ. وَإِنَّ جَمَاعَةً كَذَّابِينَ رَوَوْا عَنْ أَنَسٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ، كَأَبِي هُدْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
[ ١ / ١٧٧ ]
هُدْبَةَ، وَدِينَارٍ، وَمُوسَى الطَّوِيلِ، وَخُرَّاشٍ. حَدَّثَنَا أَبَى حَفْصٍ الْكِتَّانِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَدَوِيِّ، عَنْ خُرَّاشٍ، وَدِينَارٍ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يُدْخِلُهُ الْحُفَّاظُ فِي كُتُبِهِمْ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُونَ اعْتِبَارًا؛ لِيُمَيِّزُوهُ عَنِ الصَّحِيحِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَهُمَا بِصَنْعَاءَ وَيَحْيَى يَكْتُبُ عَنْ
[ ١ / ١٧٨ ]
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ: تَكْتُبُ نُسْخَةَ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَكْتُبُهُ حَتَّى لَوْ جَاءَ كَذَّابٌ يَرْوِيهِ عَنْ مَعْمَرِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَقُولُ لَهُ: كَذَبْتَ لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ وَقَدْ يَكُونُ الْإِسْنَادُ يَعْلُو عَلَى غَيْرِهِ بِتَقَدُّمِ مَوْتِ رَاوِيهِ، وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعَدَدِ
[ ١ / ١٧٩ ]
مِثَالُهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنَا، عَنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زَنْجَلَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ فَسَهْلٌ أَعْلَى مِنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ يَرْوِيَانِ عَنْ أحد الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ أَحَدَهُمَا أَعْلَى، فَإِنَّ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيَرْوِي عَنْ مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي مَالِكٍ، لَكِنَّ ابْنَ وَهْبٍ لِقِدَمِ مَوْتِهِ وَجَلَالَتِهِ لَا يُوازِيهِ قُتَيْبَةُ، مَعَ تَوْثِيقِهِ وَصَلَاحِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِهَذَا الْعِلْمِ أَئِمَّةً، وَجَهَابِذَةً، وَنُقَّادًا، رَوَوْا وَعَدَّلُوا، وَكَانَ الْأَمْرُ
[ ١ / ١٨١ ]
بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ، مَا احْتَاجَ إِلِي الْمُشَاوَرَةِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: صَارَ الْفَتْوَى بَعْدَهُ إِلَى الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَيْهِمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵃. ثُمَّ بَعْدَهُمُ: الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الْأَحْدَاثِ
[ ١ / ١٨٢ ]
: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ. وَبَعْدَهُمْ: جَمَاعَةٌ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ، وَأَخَذُوا الْعِلْمَ عَنِ الصَّحَابَةِ: السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ،
[ ١ / ١٨٣ ]
وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامِرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَكَانَ يُفْتِي لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَصْحَابُهُ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لِمَالِكٍ: أَكْثَرْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَفْتَى فِينَا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، مَا احْتَاجَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَحَدٍ وَأَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يُقَدِّمُونَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ مُفْتِي أَهْلِ مَكَّةَ
[ ١ / ١٨٤ ]
كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ حَسَنَ السَّرْدِ لِلرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَبْلُغْ فِي الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ شَأْوَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: حَدَّثَنَا الْبَحْرُ، يَعْنُونَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ، فَضَرَبَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطًا، وَقَالَ: الْيَوْمُ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو لِأَهْلِ مِصْرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ، وَيَقِلُّ حَدِيثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَنَعُودُ إِلَى مَا قَصَدْنَاهُ، فَنَذْكُرُ أَسَامِيَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقَيْنِ، وَالشَّامِ، وَالْيَمَنِ، وَمِصْرَ، وَالْجِزِيرَةِ، وَبِلَادِ الْفُرْسِ
[ ١ / ١٨٥ ]