اقتران القرآن دائما بالإعجاز، واقتران بعض الأحاديث النبويّة بأمور خارقة للعادة، تروع النّفس، وتشوق النّاظر وتهول السّامع وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصّحابة، لأنه الشّأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامّة أنه يتقرّر في حافظة من شاهده، وأنه يتركز في فؤاد كل من عاينه فردا كان أو أمّة، حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخ بحدوثه الأيّام والسّنون، وتقاس بوجوده الأعمار.
أمّا القرآن الكريم فإعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر، لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه، وأعرف الناس بوجوه إعجازه وأعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته هم أصحاب محمّد ﷺ لأنّهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذّوق عن فطرتهم العربية الصّافية وسليقتهم السّليمة السّامية، ومن هذا كان القرآن حياتهم الصّحيحة به يقومون ويقعدون وينامون ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون، ويلتذّون ويتعبدون وهذا هو معنى كونه روحا في قول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا [(١)] وليست هناك طائفة في التّاريخ تمثل فيها القرآن روحا كما تمثّل في هذه الطّبقة العليا الكريمة طبقة الصّحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة، وطبعهم طبعة جديدة حتى
_________________
(١) [()] حديث رقم (٥٠) - ومسلم في الصحيح ١/ ٤٥ كتاب الإيمان (١) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١) حديث (٧/ ١٠) . [(١)] [الشورى: ٥٢] .
[ ١ / ٣٧ ]
صاروا أشبه بالملائكة، وهكذا سواهم اللَّه بكتابه خلقا آخر. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
وأما السّنّة النّبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة وأمامك أحاديث المعجزات، وهي كثيرة فيها المعجب والمطرب غير أنّا نربأ بك أن تكون فيها كحاطب ليل على حين أن بين أيدينا في الصّحيح منها الجمّ الغفير والعدد الكثير، «ولا ينبئك مثل خبير» .
وهذا نموذج واحد،
عن أبي العبّاس سهل بن سعد السّاعديّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الرّاية غدا رجلا يفتح اللَّه على يديه، يحبّ اللَّه ورسوله، ويحبّه اللَّه ورسوله» فبات النّاس يدوكون [(١)] ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح النّاس غدوا على رسول اللَّه ﷺ كلّهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول اللَّه، هو يشتكي مرضا بعينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق رسول اللَّه ﷺ بعينيه، ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية، فقال عليّ ﵁ يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللَّه تعالى فيه، واللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم [(٢)]» [(٣)] .
وهذه الوصيّة من رسول اللَّه لعليّ جديرة أن تقطع لسان من يقول: إنّ الإسلام انتشر بحدّ السّيف
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] يعني يخوضون. [(٢)] أخرجه البخاري في الصحيح ٤/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل حديث رقم ٣٠٠٩ ومسلم في الصحيح ٤/ ١٨٧١ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ حديث رقم (٣٢/ ٢٤٠٤)، (٣٣/ ٢٤٠٥) والترمذي في السنن ٥/ ٥٩٦ كتاب المناقب (٥٠) باب ٢١ حديث رقم ٣٧٢٤- وابن ماجة في السنن ١/ ٤٥ المقدمة باب فضائل أصحاب رسول اللَّه ﷺ فضل علي بن أبي طالب حديث رقم ١٢١- وأحمد في المسند ١/ ٩٩، ١٨٥، ٤/ ٥٢ والبيهقي في السنن ٦/ ٣٦٢، ٩/ ١٣١- وابن سعد ٢/ ١/ ٨٢ والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٣٧، ٢٣٨ وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٥٦ وذكره الهيثمي في الزوائد ٩/ ١٢٦، ١٢٧. [(٣)] أخرجه البخاري في الصحيح ٤/ ١٢٣ كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي ﷺ حديث رقم ٢٩٤٢، ٤/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه حديث رقم ٣٠٠٩، ٥/ ٨٨ كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب حديث رقم ٣٧٠١ ومسلم في الصحيح ٤/ ١٨٧٢ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٤) حديث رقم (٣٤/ ٢٤٠٦) - وأحمد في المسند ٥/ ٣٣٣ والبيهقي في السنن ٩/ ١٠٧ وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢١٨ والهيثمي في الزوائد ٥/ ٣٣٧. [(٤)] [الكهف: ٥] .
[ ١ / ٣٨ ]