ارتباط كثير من كلام اللَّه ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام، وتنبّه الأذهان، وتلفت الأنظار إلى قضاء اللَّه ورسوله فيها، وحديثهما عنهما وإجابتهما عليها، وبذلك يتمكّن الوحي الإلهي والكلام النّبويّ في النّفوس أفضل تمكن، وينتقش في الأذهان على مرّ الزّمان.
انظر إلى القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطّوارئ في تجددها ووقوعها، فتارة يجيب السّائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [(١)] .
وتارة يفصّل في مشكلة قامت، ويقضي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، إلى قوله: مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [(٢)] .
وهي ستّ عشرة آية نزلت في حادث من أروع الحوادث هو اتّهام أمّ المؤمنين سيدتنا الجليلة السيدة أم المؤمنين عائشة زوج رسول اللَّه ﷺ، الصّديقة بنت الصّديق، وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت، ولا تزال تقرأ على النّاس إلى يوم القيامة، ولا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سماوات، وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم الّتي وقعوا فيها، ويرشدهم إلى شاكلة الصّواب كقوله في سورة آل عمران. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلخ الآيات، التي نزلت في
_________________
(١) [(١)] الإسراء: ٨٥. [(٢)] النور: ١١- ٢٦.
[ ١ / ٣٥ ]
غزوة أحد والتي تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرّهيب، وتحذرهم أن يقعوا حينا آخر في مثل هذا المأزق العصيب.
وعلى هذا النّمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوق الحصر.
وإذا نظرت في السّنّة رأيت العجب، انظر إلى قصّة المخزومية التي سرقت،
وقول الرّسول ﷺ لمن شفع فيها: «وايم اللَّه، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» [(١)] ثم تأمّل حادث تلك المرأة الجهنية الّتي أقرّت بزناها بين يدي رسول اللَّه وهي حبلى من الزّنا، كيف أمر رسول اللَّه فكفلها وليّها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلّى رسول الرّحمة عليها؟، ولمّا سئل ﷺ كيف تصلي عليها وهي زانية؟ قال: «إنّها تابت توبة لو قسّمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها للَّه ﷿» [(٢)] .
وتدبّر الحديث المعروف بحديث جبريل، وفيه يسأل جبريل رسول اللَّه ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والسّاعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصّحابة، وقد
قال لهم أخيرا: «هذا جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم» [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٢٨٧ كتاب الحدود باب كراهية الشفاعة حديث رقم ٦٧٨٨ ومسلم في الصحيح ٣/ ١٣١٥ كتاب الحدود (٢٩) باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود (٢) حديث رقم (٨/ ١٦٨٨، ٩/ ١٦٨٨) وأبو داود في السنن ٢/ ٥٣٧ كتاب الحدود باب في الحد يشفع حديث رقم ٤٣٧٣ والترمذي في السنن ٤/ ٢٩ كتاب الحدود (١٥) باب ما جاء من كراهية أن يشفع في الحدود (٦) حديث رقم ١٤٣٠ والنسائي في السنن ٨/ ٧٣- ٧٤ كتاب قطع السارق (٤٦) باب اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت (٦) حديث ٤٨٩٩ وابن ماجة في السنن ٢/ ٨٥١ كتاب الحدود (٢٠) باب الشفاعة في الحدود (٦) حديث رقم ٢٥٤٧- والدارميّ في السنن ٢/ ١٧٣- والبيهقي في السنن ٨/ ٢٥٣ والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٨٨- وذكره ابن كثير في التفسير ٣/ ١٠٤. [(٢)] أخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٣٢١- ١٣٢٤ كتاب الحدود (٢٩) باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥) حديث رقم (٢٢/ ١٦٩٥)، (٢٣/ ١٦٩٥)، (٢٤/ ١٦٩٦) وأبو داود في السنن ٢/ ٥٥٦ كتاب الحدود باب المرأة التي أمر النبي برجمها من جهينة حديث رقم ٤٤٤٠ والترمذي في السنن ٤/ ٣٣ كتاب الحدود (١٥) باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع (٩) حديث رقم ١٤٣٥ وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والنسائي في السنن ٤/ ٦٣ كتاب الجنائز باب الصلاة على المرجوم (٦٤) حديث رقم ١٩٥٧- وأحمد في المسند ٤/ ٤٤٠ والطبراني في الكبير ١٨/ ١٩٧- وابن حبان في صحيحه حديث رقم ١٥١٢ وذكره المنذري في الترغيب ٤/ ١٠٠ والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٨/ ٥٨١. [(٣)] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ١١٤، كتاب الإيمان (٢) باب سؤال جبريل النبي ﷺ (٣٧)
[ ١ / ٣٦ ]
والنّاظر في السّنّة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة.
وقد قرر علماء النّفس أنّ ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر، تجعلها أبقى على الزّمن وأثبت في النفس، فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب اللَّه وسنّة رسوله ﷺ على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث المشافهون بخطاب الحقّ، المواجهون بخطاب الحق، المواجهون بكلام سيّد الخلق في هذه المناسبات الملائمة والأسباب القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء اللَّه فيها، متعطشة إلى حديث رسوله عنها، فينزل الكلام على القلوب، وهي متشوّقة كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطّشة تنهله بلهف، وتأخذه بشغف، وتمسكه وتحرص عليه بيقظة، وتعتز به وتعتد عن حقيقة، وتنتفع به وتنفع، بل تهتز به وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج.