اهتداء الصّحابة- رضوان اللَّه عليهم- بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ يحلّون ما فيهما من جلال، ويحرّمون ما فيهما من حرام، ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد. ويتعهدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن، وإمامهم الرسول ﵊.
وما من شك أن العلم بالعمل يقرّره في النّفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش، على نحو ما هو معروف في فن التّربية وعلم النّفس، من أن التّطبيق يؤيد المعارف والأمثلة تقيد القواعد، ولا تطبيق أبلغ من العمل، ولا مثال أمثل من الاتباع، خصوصا المعارف الدّينية، فإنّها تزكو بتنفيذها، وتزيد باتباعها.
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا [(٢)] أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الرشد والغيّ كما جاء في بعض وجوه التفسير.
_________________
(١) [(١)] أخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٤٩٥- ١٤٩٦ كتاب الإمارة (٣٣) باب فضل الجهاد والخروج في سبيل اللَّه (٢٨) حديث رقم (١٠٣/ ١٨٧٦) والنسائي في السنن ٨/ ١١٩- ١٢٠ كتاب الإيمان وشرائعه (٤٧) باب الجهاد (٢٤) حديث رقم ٥٠٣٠ وأحمد في المسند ٢/ ٣٩٩، ٤٢٤- وابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٧ والبيهقي في السنن ٩/ ٣٩- وذكره المنذري في الترغيب ٢/ ٢٦٩- والقرطبي في التفسير ٥/ ٢٧٧. [(٢)] [الأنفال: ٢٩] .
[ ١ / ٤٤ ]
وذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة، والعناية بطهارة القلب وتزكية النفس تفجر الحكمة في قلب العبد، قال الغزالي: أما الكتب والتّعليم فلا تفي بذلك- أي بالحكمة تتفجّر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعدّ إنّما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع اللَّه ﷿ في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، والانقطاع إلى اللَّه ﷿ عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف فكم من متعلّم طال تعلّمه ولم يقدر على مجازاة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التّعليم، ومتوفر على العمل ومراقبة القلب، فتح اللَّه عليه من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب، ولذلك
قالﷺ-: «من عمل بما علم ورّثه اللَّه علم ما لم يكن يعلم» [(١)] .