حبّهم الصّادق للَّه ولرسوله ملك مشاعرهم، واحتل مكان العقيدة فيهم، وأنت تعرف من دراسة علم النّفس أنّ الحب إذا صدق وتمكّن حمل المحبّ على ترسّم آثار محبوبه، والتلذّذ بحديثه، والتّنادر بأخباره، ووعى كل ما يصدر عنه، ويبدو منه، ومن هنا كان حب الصّحابة للَّه ورسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ على حد قول القائل: [البسيط] ل
ها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشّراب وتلهيها عن الزّاد
لها بوجهك نور يستضاء به ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا شكت من كلال السّير واعدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد
أما حب الصّحابة العميق للَّه تعالى فلا يحتاج إلى شرح وبيان، ولا إلى إقامة دليل عليه وبرهان فهم كما
قال فيهم النّبيّ ﷺ خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم [(١)]،
وهم الّذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رضاه، وهم الّذين باعوا الدّنيا بما فيها يبتغون فضلا من اللَّه، وهم الّذين حملوا هداية الإسلام إلى الشّرق والغرب، وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو، وكانوا أحرياء بمدح اللَّه لهم غير مرّة في القرآن وبثناء الرسول ﷺ عليهم في أحاديث عظيمة الشّأن.
وأمّا مظاهر حبهم للرسول ﷺ فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحبّ أحدا مثل ما كان أصحاب محمّد يحبون محمّدا، دم الرّجل منهم رخيص في سبيل أن يفدي رسول اللَّه ﷺ من شوكة يشاكها في أسفل قدمه، وماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشّديد البرد
_________________
(١) [(١)] أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٤٧٥- ٤٧٦ كتاب الشهادات (٣٦) باب (٤) حديث رقم ٢٣٠٢، ٢٣٠٣ وقال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث الأعمش وأخرجه البخاري بلفظ خير الناس وكذلك مسلم وهو متفق عليه من رواية عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٣ كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ (٦٢) باب فضائل أصحاب النبي ﷺ (١) حديث رقم ٣٦٥١ واللفظ له وأخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٦٣ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) باب فضل الصحابة (٥٢) حديث رقم (٢١٢/ ٢٥٣٣) وأحمد في المسند ١/ ٣٧٨، ٤٣٤، ٤٤٢٣، ٤/ ٢٦٧ والبيهقي في السنن ١٠/ ١٢٢، ١٦٠- وابن أبي شيبة ١٢/ ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨- وابن حبان في الموارد حديث رقم ٢٢٨٥ والطبراني في الكبير ٢/ ٣٢٠، ١٨/ ٢١٢، ٢٣٤، ٢٣٥ وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٧٨، ٤/ ١٢٥- وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦١٠ وذكره الهيثمي في الزوائد ١٠/ ٢٢، ٢٣- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٢٤٤٩، ٣٢٤٥١، ٣٢٤٥٢، ٣٢٤٥٣، ٣٢٤٩١، ٣٢٤٩٥.
[ ١ / ٣٠ ]
يتبركون به، وأب الواحد منهم وأبناؤه من ألدّ أعدائه ما داموا يعادون محمّدا وحديث محمّد موضع التّنافس من رجالهم ونسائهم، حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه، تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول اللَّه ﷺ على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه، ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرّسول بعد إيابه.
وهذه وافدة النّساء تقول لرسول اللَّه ﷺ يا رسول اللَّه، غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا ممّا علّمك اللَّه، إلى غير ذلك من شواهد ومظاهر، تدلّ على مبلغ هذا الحبّ السّامي الشّريف.
ويرحم اللَّه القائل: [الوافر]
أسرت قريش مسلما في غزوة فمضى بلا وجل إلى السّيّاف
سألوه: هل يرضيك أنّك سالم ولك النّبيّ فدى من الإتلاف
فأجاب كلّا لا سلمت من الرّدى ويصاب أنف محمّد برعاف
ولقد كان من مظاهر هذا الحبّ تسابقهم إلى كتاب اللَّه يأخذون عنه، ويحفظونه منه، ثم إلى سنّته الغرّاء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها، بل كانوا يتفنّنون في البحث عن هديه وخيره، والوقوف على صفته وشكله، كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول اللَّه ﷺ وما أجيبا به من تجلية تلك الصّور المحمّدية الرائعة، ورسمها بريشة المصور الماهر والصّناع القادر، على يد أبيهما عليّ بن أبي طالب، وخالهما هند بن أبي هالة ﵃ أجمعين.