التّرغيب في الإقبال على الكتاب والسّنّة علما وعملا، وحفظا وفهما، وتعليما ونشرا، وكذلك التّرهيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما.
ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [(١)] .
فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصّلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جلّ ذكره:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [(٢)] .
فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبّر القرآن والتذكّر والاتّعاظ به.
ونقرأ قوله عزّ اسمه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [(٣)] .
فتدبّر كيف يكون وعيد من كتم القرآن وهدى القرآن؟
ثم نقرأ في السّنّة النّبوية
قوله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده»
[(٤)] .
_________________
(١) [(١)] [فاطر: (٣٠)] . [(٢)] [سورة ص آية: (٢٩)] . [(٣)] [البقرة: ١٥٩] . [(٤)] أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٤٨) حديث رقم (٣٨/ ٢٦٩٩) وأبو داود في السنن ١/ ٤٦٠ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٥ وابن ماجة في السنن ١/ ٨٢ المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (١٧) حديث رقم ٢٢٥ وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٨.
[ ١ / ٣٢ ]
وفي «الصّحيحين» قوله ﷺ: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» [(١)] .
وفي السّنة قوله ﷺ: «عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أتاها رجل ثمّ نسيها» [(٢)] .
أليس ذلك وأمثال ذلك وهو كثير يحفز الهمم ويحرّك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه، وهو وعيد شديد؟
أمّا السّنّة النّبوية فقد جاء في شأنها عن اللَّه تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [(٣)]، وقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [(٤)]، وقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [(٥)]، وقوله:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [(٦)] .
وجاء ترغيبا في السّنّة النّبوية من الحديث الشّريف
قوله ﷺ «نضّر اللَّه امرأ سمع منّا حديثا فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع» [(٧)]،
وهو حديث متواتر.
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في الصحيح ٦/ ٣٣٠ كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن حديث رقم ٥٠٢٧ وأبو داود في السنن ١/ ٤٦٠ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٢ والترمذي في السنن ٥/ ١٥٩- ١٦٠ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب ما جاء في تعليم القرآن (١٥) حديث رقم ٢٩٠٧، وقال هذا حديث حسن صحيح ٢٩٠٨ وابن ماجة في السنن ١/ ٧٦- ٧٧ المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (١٦) حديث رقم ٢١١، ٢١٢، ٢١٣ وأحمد في المسند ١/ ٥٨، ٦٩- والدارميّ في السنن ٢/ ٤٣٧ وابن سعد ٦/ ١١١- والخطيب في التاريخ ٤/ ١٩، ١٠٩، ١٠/ ٤٥٩- ١١/ ٣٥، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٩٤ وابن عدي في الكامل ٢/ ٦١٠، ٣/ ١٢٣٤، ٤/ ١٥٦٨، ٥/ ١٩٣٨ وذكره المنذري في الترغيب ٢/ ٣٤٢ والهيثمي في الزوائد ٧/ ١٦٩- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٣٥١، ٢٣٥٣. [(٢)] أخرجه أبو داود في السنن ١/ ١٧٩ كتاب الصلاة باب في كنس المسجد حديث رقم ٤٦١ والترمذي في السنن ٥/ ١٦٣- ١٦٤ كتاب فضائل القرآن (٤٦) باب (١٩) حديث رقم ٢٩١٦ وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. [(٣)] [الحشر: ٧] . [(٤)] [النساء: ٨٠] . [(٥)] [الأحزاب: ٢١] . [(٦)] [النساء: ٦٥] . [(٧)] أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٣٤٦ كتاب العلم باب فضل نشر العلم حديث رقم ٣٦٦٠ والترمذي في السنن ٥/ ٣٣ كتاب العلم (٤٢) باب ما جاء من الحث على تبليغ السماع (٧) حديث رقم ٢٦٥٦، ٢٦٥٧ وقال أبو عيسى: حديث حسن وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في السنن ١/ ٨٥ المقدمة
[ ١ / ٣٣ ]
وقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: «ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» [(١)] .
وجاء ترهيبا من الإعراض عن السّنّة
قوله ﷺ: «من رغب عن سنّتي فليس منّي» [(٢)] .
وقوله ﷺ: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنّي، وهو متكئ على أريكته فيقول:
بيننا وبينكم كتاب اللَّه تعالى، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرّمناه، وإنّ ما حرّم رسول اللَّه ﷺ كما حرّمه اللَّه» [(٣)] .
فأنت ترى في الآيات والأحاديث الشّريفة ما يحفز همّة المؤمن الضّعيف إلى الإقبال على روائع النّبوة يستهديها، وبدائع النّبيّ ﷺ يستظهرها، فكيف أنت والصّحابة الّذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علوّ همّة في هذا الميدان؟