حكمة اللَّه ورسوله في التّربية والتّعليم، وحسن سياستهما في الدّعوة والإرشاد مما جعل الكتاب والسّنة يتقرران في الأذهان، ويسهلان على الصّحابة في الحفظ والاستظهار.
أما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة اللَّه في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم، وبالأسلوب الخلّاب والنّظم المعجز الآخذ بقلوبهم. وأنه تدرج بهم في نزوله، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجما في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة، ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من آياته وسوره، ودعمه بالدليل والحجة، وخاطب به العقول والضّمائر، وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم، وصدر في ذلك كلّه عن رحمة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [(١)] . مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [(٢)] .
وأما السّنة النّبوية فلقد كان محمد ﷺ هو المعلّم الأوّل في رعاية تلك الوسائل الموضحة، ذلك لأنه ﷺ كان أفصح النّاس لسانا وأوضحهم بيانا، وأجودهم إلقاء، ينتقي عيون الكلام وهو الّذي أوتي جوامع الكلم، ولا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بشيء منه، يل يتكلّم كلاما لو عدّه العادّ لأحصاه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما
جاء عنه ﷺ قوله: «هلك المتنطّعون» [(٣)] قالها ثلاثا، وقال:
«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر- ثلاثا- قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، ألا وقول الزّور وشهادة الزّور- وكان متكئا فجلس- فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] [المائدة: ٦] . [(٢)] [فصلت: ٤٦] . [(٣)] أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٥٥ كتاب العلم (٤٧) باب هلك المتنطعون (٤) حديث رقم (٧/ ٢٦٧٠) والطبراني في الكبير ١٠/ ٢١٦- وذكره ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٢٦٧- والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٤٧٨٥- والزبيدي في الإتحاف ٢/ ٥٠. [(٤)] أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٥، ٦ كتاب الأدب باب عقوق الوالدين- حديث رقم ٥٩٧٦، ٥٩٧٧، ٣/ ٣٣٩ كتاب الشهادات باب ما قيل في شهادة الزور حديث رقم ٢٦٥٤- ومسلم في الصحيح ١/ ٩١ كتاب الإيمان (١) باب بيان الكبائر وأكبرها (٣٨) حديث رقم (١٤٣/ ٨٧، ١٤٤/ ٨٨) وأحمد في المسند ٣/ ١٣١، ٥/ ٣٦، ٣٨- والبيهقي في السنن ١٠/ ١٢١- والطبراني في الكبير ١٨/ ١٤٠-
[ ١ / ٣٩ ]
وكان ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين [(١)]- ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى- ويقول: أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» ثم يقول: «أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ» [(٢)] .
ومن وسائل إيضاحه ﷺ أنه كان يضرب لهم الأمثال الرّائعة الّتي تجلّي لهم المعاني.
ضرب لأصحابه المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما
فقال: «مثل القائم في حدود اللَّه، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الّذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا، لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا» [(٣)] .
_________________
(١) [()] والطبري في التفسير ٥/ ٢٨- وذكره المنذري في الترغيب ٣/ ٢٢١ والهيثمي في الزوائد ١/ ١٠٦- وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٧٢ والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ٥١٥، ٨/ ٥٣٨. [(١)] أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٩٣ كتاب الطلاق باب اللعان حديث رقم ٥٣٠١، ٨/ ١٩٠ كتاب الرقاق باب قول النبي ﷺ بعثت حديث رقم ٦٥٠٤، ٦٥٠٥ ومسلم في الصحيح ٤/ ٢٢٦٨ كتاب الفتن وأشراط الساعة (٥٢) حديث رقم (١٣٣/ ٢٩٥١)، ١٣٤، ٩٥١، (١٣٥/ ٢٩٥١) - والترمذي في السنن ٤/ ٤٢٩ كتاب الفتن (٣٤) باب ما جاء في قول النبي ﷺ بعثت أنا والساعة كهاتين يعني السبابة والوسطى
(٢) حديث رقم ٢٢١٣، ٢٢١٤ والنسائي في السنن ٣/ ١٨٩ كتاب صلاة العيدين (١٩) باب كيف الخطبة (٢٢) حديث رقم ١٥٧٨ وابن ماجة في السنن ١/ ٤٥ المقدمة باب اجتناب البدع والجدل (٧) حديث رقم ٤٥- وأحمد في المسند ٣/ ١٢٤، ٣٠، ١٣١، ١٩٣، ٢٣٧، ٢٧٥، ٢٨٣، ٣١٩، ٥/ ١٠٣، ٨ والبيهقي في السنن ٣/ ٢٠٦، ٢١٣- وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم ١٧٨٥- والطبراني في الكبير ٢/ ٢٢٧، ٦/ ٢٠٨، ٢٤٣، ٦٦ وابن عساكر ٤/ ١٩٩، ٥/ ٤٣٣، ٧/ ١٢١ وابن سعد ١/ ٢/ ٩٨- والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٥ والخطيب في التاريخ ٦/ ٢٨١- وذكره المنذري في الترغيب ١/ ٨٣ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٨٣٤٨، ٣٨٣٤٩، ٣٨٣٥٠، ٣٩٥٧١- والهيثمي في الزوائد ١/ ٣١٤، ٣١٥. [(٢)] أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٥٩٢ كتاب الجمعة (٧) باب تخفيف الصلاة والخطبة (١٣) حديث رقم (٤٣/ ٨٦٧) والبيهقي في السنن ٣/ ٢٠٧- وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٤٠٥- والتبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ١٤١. [(٣)] أخرجه البخاري في الصحيح ٣/ ٢٧٨ كتاب الشركة باب هل يقرع حديث رقم ٢٤٩٣ وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٩- والبيهقي في السنن ١٠/ ٢٨٨ وذكره المنذري في الترغيب ٣/ ٢٢٥ وابن كثير في التفسير ٣/ ٥٧٩ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٥٥٣٣.
[ ١ / ٤٠ ]
ومن وسائل إيضاحه ﷺ أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه، ونأخذ مثالا واحدا من ذلك:
عن أبي هريرة﵁- أن رسول اللَّه ﷺ قال: «أتدرون من المفلس»؟ قالوا:
المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع، فقال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النّار» [(١)] .
وكان ﷺ يستعين بالرّسم في توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان- رغم أنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم الهندسة ولا غيرها.
روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود﵁- قال: «خط لنا رسول اللَّه ﷺ خطّا مربعا، وخطّ وسطه خطّا، وخطّ خطوطا إلى جنب الخطّ- أي الّذي في الوسط- وخط خطّا خارجا فقال: «أتدرون ما هذا» قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «هذا الإنسان» يريد الخط الّذي في الوسط- وهذا الأجل محيط به- يريد الخط المربع وهذه الأعراض تنهش- يشير إلى الخطوط التي حوله- إن أخطأ، هذا نهشه هذا، وهذا الأمل- يعني الخطّ الخارج.
ومن سياسته الحكمية في التّربية والتّعليم أنه كان ينتهز فرصة الخطأ ليصحح لهم الفكرة في حينها.
من ذلك ما يقصّه علينا سيدنا: أنس﵁- قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النَّبيّ ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوه [(٢)]، وقالوا: أين نحن من رسول اللَّه ﷺ وقد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؟ قال أحدهم: أمّا أنا فأصلّي الليل أبدا وقال الآخر: وأنا أصوم الدّهر أبدا، وقال الآخر: وأنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا، فجاء رسول اللَّه ﷺ- إليهم فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا!!! واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم للَّه، ولكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٩٧ كتاب البر والصلة والآداب (٤٥) باب تحريم الظلم (١٥) حديث رقم (٥٩/ ٢٥٨١) والترمذي في السنن ٤/ ٥٢٩- ٥٣٠ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٣٨) باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص (٢) حديث رقم (٢٤١٨) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والطبري في التفسير ٢٨/ ٩٩- وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٥١٢٧. [(٢)] أي عدوها قليلة. [(٣)] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ٩/ ١٠٤، كتاب النكاح (٦٧) باب الترغيب في النكاح (١)
[ ١ / ٤١ ]
وكان من وسائل إيضاحه ﷺ تمثيله بالعمل
يصلّي ويقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»
[(١)]
ويحج ويقول: «خذوا عنّي مناسككم»
[(٢)]
ويشير بإصبعيه السّبابة والوسطى ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» .