وهذه العوامل- الخاصّة توافرت في حفظ الصّحابة للقرآن الكريم دون السّنّة النّبوية المطهرة.
أوّلها: تحدّي القرآن للعرب بل لكافّة الخلق.
قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [(٢)]، ولما عجزوا قال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [(٣)]، ولما عجزوا قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [(٤)]، ولما عجزوا سجّل عليهم هزيمتهم وأعلن إعجاز القرآن فقال عز اسمه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [(٥)] .
ثانيها: عنايته ﷺ بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة، إذ اتخذ كتّابا للوحي من
_________________
(١) [(١)] قال الحافظ العراقي في هذا الحديث: رواه أبو نعيم في «الحلية» لكن بسند ضعيف- الحلية ١٠/ ١٥. [(٢)] [الطور: ٣٤] . [(٣)] [هود: ١٣] . [(٤)] [يونس: ٣٨] . [(٥)] [الإسراء: ١٧] .
[ ١ / ٤٥ ]
أصحابه، وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الّذي نهى فيه عن كتابة السنة
ففي الحديث «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي شيئا غير القرآن فليمحه» [(١)] .
ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصّلاة، فرضا كانت أو نفلا، سرّا أو جهرا.. وتلك وسيلة فعّالة جعلت الصحابة يقرءونه ويسمعونه ويحفظونه.
رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن في كل وقت، واقرأ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [(٢)] .
ويقول النبي ﷺ: «الّذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به مع السّفرة الكرام البررة والّذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران» [(٣)] .
وغير هذا الكثير والكثير مما حفل به القرآن والسنة.
فهل يعقل أنّ أصحاب محمد ﷺ يتوافون لحظة بعد سماع ذلك عن قراءة القرآن؟!! خامسها: عناية الرّسول ﷺ بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على النّاس على مكث كما أمره اللَّه.. وكان يرسل بعثات القرّاء إلى كل بلد يعلّمون أهلها كتاب اللَّه.. قال عبادة بن الصّامت: كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلّمه القرآن.
سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب اللَّه عن كل ما سواه.. تلك القداسة التي تلفت الأنظار إليه، وتخلع همم المؤمنين به عليه، فيحيطون به علما، ويخضعون لتعاليمه عملا..
قال الشّيخ الزّرقانيّ: «ونحن نتحدّى أمم العالم بهذه الدّواعي التي توافرت في الصّحابة حتى نقلوا الكتاب والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصا القرآن الكريم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
[الطويل]:
غمرهم اللَّه برحمته ورضوانه.. آمين.
_________________
(١) [(١)] أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٢٩٨- ٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقائق (٥٣) باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم (١٦) حديث رقم (٧٢/ ٣٠٠٤) وأحمد في المسند ٣/ ١٢، ٢١، ٣٩، ٥٦ والدارميّ في السنن ١/ ١١٩- والحاكم في المستدرك ١/ ١٢٧ وابن عدي في الكامل ٣/ ٩٢٦، ٥/ ١٧٧١ وذكره ابن حجر في فتح الباري ١/ ٢٠٨، ٩/ ١٢، ١٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٩١٦٨. [(٢)] [فاطر: ٢٩] . [(٣)] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٩٠.
[ ١ / ٤٦ ]