قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [(١)] .
وقال تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [(٢)] .
وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [(٣)] .
وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [(٤)] .
وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [(٥)] .
وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [(٦)] .
وقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [(٧)] .
_________________
(١) [(١)] الفتح: ٢٩. [(٢)] الحشر: ٨- ٩. [(٣)] الأنفال: ٧٤. [(٤)] الفتح: ١٨. [(٥)] التوبة: ١١٨. [(٦)] التوبة: ١٠٠. [(٧)] البقرة: ١٤٣.
[ ١ / ١٧ ]
والوسط: الخيار والعدول، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونيّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، واللَّه تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلّي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشّاهد المقبول عند اللَّه هو الّذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [(١)] [(٢)] .
وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [(٣)] .
ويدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أولى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر.
وقال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [(٤)] .
فأخبر تعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشّيء يجتبيه»، إذا ضمّه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الّذين اجتباهم اللَّه إليه وجعلهم أهله وخاصّته وصفوته من خلقه بعد النّبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبّة والعبوديّة، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الّذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحبّاءه، وآثرهم بذلك على من سواهم، ثم أخبرهم تعالى أنّه يسّر عليهم دينه غاية التّيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتّة لكمال محبَّته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملّة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحبّ والخوف والرّجاء والتوكّل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك
_________________
(١) [(١)] الزخرف: ٨٦. [(٢)] أعلام الموقعين ٤/ ١٠٢. [(٣)] آل عمران: ١١٠. [(٤)] الحج: ٧٨.
[ ١ / ١٨ ]
ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على النّاس، فيكون مشهودا لهم بشهادة الرّسول، شاهدين على الأمم بقيام حجّة اللَّه عليهم [(١)] .
وقال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [(٢)] .
قال ابن عبّاس: أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم اللَّه لنبيه ﵇ [(٣)] .
تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى ﷿ تشهد بفضل وعدالة جميع أصحاب النّبي ﷺ الّذين كانوا معه في المواقف الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداء من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وانتهاء بفتح المدائن.
فمن الأمور القطعيّة الثبوت والدّلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول اللَّه ﷺ جاءت من فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم ومعرفة أن يطعن في صحابة رسول اللَّه ﷺ بعد شهادة اللَّه ﷿ لهم!! وهذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا «أبي هريرة» رضي اللَّه تعالى عنه.
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [(٤)] .