يرى ابن حجر أن علم الحديث النبوي من أشرف العلوم الدينية، ومن أجلّ معارفه تمييز أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقد صنّف في علم معرفة الصحابة عدد كبير من العلماء، ولقد وقف ابن حجر على مصنفاتهم وانتقدها، ثم وجد في وسعه أن يطوّر التّصنيف في هذا الفرع من فروع المعرفة إلى مستوى أعلى، وقد وقعت له بالتتبع، كثير من الأسماء التي لم تكن في المصنفات السابقة على الرغم من أنها تقع في نطاق هذه المصنفات، وبذلك تسنّى له أن يصنّف كتابا كبيرا أكثر استيعابا من غيره لتمييز الصحابة من غيرهم.
ولقد بدأ تأليفه في سنة ٨٠٩ هـ، واستمر العمل فيه إلى ثالث ذي الحجة سنة ٨٤٧ هـ حيث انتهى من كتابته مع ما فيه من الهوامش، فاستغرق تأليفه ما يقرب من أربعين عاما.
وأوضح ابن حجر أنّ الكتابة فيه كانت بالتراخي، وكتبه في المسودات ثلاث مرات، بسبب ما كان يدور في ذهنه من النهوض بهذا اللون من التصنيف، وبسبب الترتيب الّذي
_________________
(١) [(١)] استفدنا هذا المبحث من الدكتور شاكر محمود عبد المنعم في كتابه ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته ومنهجه وموارده في كتاب الإصابة.
[ ١ / ١٢٣ ]
ابتكره. وحتى في المرّة الثالثة خرجت النسخة وكأنها مسودة أيضا لكثرة الهوامش والإلحاقات التي كان يضيفها تباعا، وعبر أربعين عاما تقريبا. فعمد دون كلل إلى إلحاق أسماء أخرى وإجراء التصحيح أو التنقيح، وهذا هو نهج العالم الأصيل الّذي يدرك بأن الكمال للَّه وحده، وأن الإنسان وما يعمل بعيد عن الكمال.
ولقد تجلّى ورعه في دينه بوضوح في نزعته العلمية الموضوعية، فكان مثال العالم الورع الّذي لا يبتسر الحديث عن شيء ولا يدعي، والقيد الضابط لذلك هو كونه واحدا من تلاميذ مدرسة الإسلام الخالدة.
ويحكي ابن حجر قصة تأليف الإصابة على مدى أربعين عاما بقوله: «وقد قيدت بالحمرة أولا، ثمّ بالصفرة ثم بصورة ما يخالطهما وكل ذلك قبل كتابة فصل المبهم من الرجال والنساء ونتساءل هل كمل الإصابة؟
على الرغم من المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها تأليف كتاب الإصابة، ورغم عناية مصنفه به، ومتابعته له، فإنّه لم يكمل بشكله النهائي، لأنه خصّص بابا للمبهمات وقد قيد منها كثيرا. فلقد ورد في نهاية نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم ٢٢٨ طلعت قول الناسخ « وقد بقي عليه المبهمات، وقيّد منها كثيرا، ولكن لم أظفر به إن شاء اللَّه تعالى» .
وجاء في آخر نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢٢٩ طلعت) أن آخر كتاب النساء من الإصابة هو آخر ما وجد بخط مصنّف الكتاب.
وقال السخاوي وهو يعدد المصنفين في الصحابة « وكتاب شيخنا المسمى بالإصابة. جامع لما تفرق منها مع تحقيق، ولكنّه لم يكمل.
ويبدو أن كثرة السؤال في تبييضه هي التي دفعت ابن حجر إلى نشره قبل أن يكمل باب المبهمات.
وهناك إحالات في الإصابة على المبهمات كقوله مثلا «يأتي في المبهمات ويأتي في الكنى»، أو كقوله: «وسيأتي ذكر قصتها في المبهمات إن شاء اللَّه» كما وردت ترجمة أبي بجيلة وآخرين في القسم الرابع، وقال تقدموا في الأول وحقهم أن يذكروا في المبهمات، ولكن لا نجد باب المبهمات في المطبوع من الإصابة الّذي طبع أكثر من ست طبعات كما لم يشر أحد من الناشرين أو المحققين إليه، وقد سبقت الإشارة إلى أنه كتب منه كثيرا ولم يظفر به الناسخ.
[ ١ / ١٢٤ ]
وفي الإصابة بعض المواضع البيضاء التي قد يكون تعليلها أنّها من جملة الأشياء التي لم يدونها المؤلف، لأنها تتطلب المزيد من التحقيق.
ففي أثناء بعض تراجمه ذكر سهيل بن أبي جندل ثم قال: «ينظر مسند الحارث بن معاوية ويحرر من النسب وغيره» .
وقال في موضع آخر عند ترجمة أم سعيد والدة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال:
«يكتب من باب الكافور في كتاب الجنائز للبيهقي في السنن الكبير» وجاء في نهاية الترجمة فقال: «وروى ابن سعد » ولم يذكر الرواية. وجاء في نهاية ترجمة ما نصه «ينبغي أن يحوّل إلى القسم الرابع» .