اختلف علماء التّوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرّفوا الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة وتظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن ومنهم الكافر.
أما الشّياطين: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد.
وقال آخرون إن حقيقتها واحدة وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو قبيحة، وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ويكلفون، منهم المؤمن ومنهم العاصي، أما الشّيطان فاسم للعاصي، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [(٥)] . كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
الآيات، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [(٦)] . وحيث ثبت وجودهم بكلام اللَّه وكلام أنبيائه
_________________
(١) [(١)] التحريم: ٦. [(٢)] الأنبياء: ٢٠. [(٣)] النحل: ٥٠. [(٤)] الأعراف: ٢٠٦. [(٥)] الحجر: ٢٧. [(٦)] الأحقاف: ٢٩.
[ ١ / ١٠ ]
وانعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجبا ومنكره كافر.. والسؤال بعد ذلك هل هم داخلون في الصحابة الحق؟.
نعم. يدخل في الصّحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم من رآه ﷺ أو لقيه مؤمنا به من الجنّ، لأنه ﷺ بعث إليهم قطعا وهم مكلّفون، وفيهم العصاة والطّائعون.
قال الحافظ ابن حجر، الرّاجح دخولهم، لأن النبي ﷺ بعث إليهم قطعا.
قال السّبكيّ في فتاويه: كونه ﷺ مبعوثا إلى الإنس والجن كافّة وأن رسالته شاملة للثقلين فلا أعلم فيه خلافا، ونقل جماعة الإجماع عليه.
قال السّبكيّ: والدّليل عليه قبل الإجماع الكتاب والسّنة، أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا. [(١)]
وقد أجمع المفسّرون على دخول الجنّ في ذلك في هذه الآية. ومع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلّا بدليل.
ومنها قوله تعالى في سورة الأحقاف: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [(٢)] .
والمنذرون هم المخوفون مما يلحق بمخالفته لوم، فلو لم يكن مبعوثا إليهم لما كان القرآن الّذي أتى به لازما لهم ولا خوفوا به.
ومنها قولهم فيها، أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثه إليهم.
ومنها قولهم: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ الآية، وذلك يقتضي ترتيب المغفرة على الإيمان به، وأن الإيمان به شرط فيها، وإنّما يكون كذلك إذا تعلّق حكم رسالته بهم، وهو معنى كونه مبعوثا إليهم.
ومنها قولهم: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ الآية، فعدم إعجازهم وأوليائهم، وكونهم في ضلال مرتّب على عدم إجابته، وذلك أدلّ دليل على بعثته إليهم.
ومنها قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [(٣)] . فهذا تهديد ووعيد شامل لهم وارد على لسان رسوله ﷺ عن اللَّه، وهو يقتضي كونه مرسلا إليهم، وأيّ معنى للرسالة غير ذلك وكذلك مخاطبتهم في بقيّة السورة بقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، [(٤)] وغير ذلك من الآيات التي تضمّنتها هذه السورة.
_________________
(١) [(١)] الفرقان: ١. [(٢)] الأحقاف: ٢٩. [(٣)] الرحمن: ٣١. [(٤)] الرحمن: ٤٦.
[ ١ / ١١ ]
ومنها قوله تعالى في سورة الجنّ: فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [(١)]، فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له وآمنوا بعد شركهم، وذلك يقتضي أنّهم فهموا أنّهم مكلّفون به، وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السّورة التي خاطبوا بها قومهم.
ومنها قولهم فيها: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ [(٢)]، وكذا قولهم: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [(٣)] الآيات.
ومنها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [(٤)] .
فهذه الآية تقتضي أن النبي ﷺ منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيّا كان أو إنسيّا، وهي في الدّلالة كآية الفرقان أو أصرح، فإن احتمال عود الضّمير على الفرقان غير وارد هنا، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأنعام هذه، وتليها آية الفرقان، وتليها آيات الأحقاف، وتليها آيات الرحمن، وخطابها في عدّة آيات: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، وتليها سورة الجنّ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في المصحف، وفي القرآن أيضا ما يدلّ لذلك، ولكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث، وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود، لأن الأمر بالإنذار، والمطلق إذا لم يتقيّد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها، وهو ﷺ كامل الشفقة على خلق اللَّه، والنصيحة لهم والدعاء إلى اللَّه تعالى، فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص، ولا في زمن من الأزمان، ولا في مكان من الأمكنة، وهكذا كانت حالتهﷺ، ويعلم أيضا من الشريعة أن اللَّه تعالى لم يرده قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ [(٥)] مطلق الإنذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التّشمير والاجتهاد في ذلك، فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار، والجن بهذه الصّفة، لأنه كان فيهم سفهاء وقاسطون وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي ﷺ دعاءهم، والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، ومنها كل آية فيها لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي ونحو ذلك فإنّ المؤمنين والكافرين صفتان لمحذوف، والموصوف المحذوف يتعيّن أن يكون النّاس بل المكلّفون أعمّ من أن يكونوا إنسا أو جنّا، وإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال بما لا يعدّ ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى:
_________________
(١) [(١)] الجن: ٢. [(٢)] الجن: ١٣. [(٣)] الجن: ١٤. [(٤)] الأنعام: ١٩. [(٥)] المدثر: ٢.
[ ١ / ١٢ ]
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [(١)] فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين، وإنما يكون كذلك، وإذا ثبتت رسالته في حقهم.
وكقوله تعالى: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [(٢)]، وكقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [(٣)]، ونحو ذلك من الآيات أيضا قوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [(٤)]، ومن الجن كذلك، ولو تتبّعنا الآيات التي من هذا الجنس لوجدناها جاءت كثيرة.
واعلم أن المقصود بتكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرّق إليها الاحتمال فإذا كثرت قد تترقى إلى حدّ يقطع بإرادة ظاهرها، وبقي الاحتمال والتأويل عنها.
وأمّا السّنّة
ففي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وخيم بي التّيسيّون) [(٥)] .
ومحل الاستدلال قوله: (وأرسلت إلى الخلق كافّة)، فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل فلا يجوز، والكلام فيه كالكلام في قوله تعالى: لِلْعالَمِينَ.
فإن قال قائل: على أن المراد بالخلق الناس
رواية البخاري من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي)
[(٦)]، فذكر من جملتها:
_________________
(١) [(١)] الأعراف: ١٥٧. [(٢)] الأحقاف: ١٢. [(٣)] البقرة: ٢. [(٤)] يس: ١١. [(٥)] أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٣٧١- ٣٧٢ كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥) حديث رقم (٥/ ٥٢٣) والترمذي في السنن ٤/ ١٠٤- ١٠٥ كتاب السير (٢٢) باب ما جاء في الغنيمة (٥) حديث رقم ١٥٥٣ وقال حسن صحيح وأحمد في المسند ٢/ ٤١٢- والبيهقي في السنن ٢/ ٤٣٢، ٩/ ٥ والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٤٧٢- وذكره الهيثمي في الزوائد ٨/ ٢٦٩- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٢. [(٦)] متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ٤٣٥- ٤٣٦ كتاب القيم (٧) باب (١) حديث رقم (٣٣٥) - واللفظ له- ومسلم في الصحيح ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد (٥) حديث رقم (٣/ ٥٢١) وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٤، ٥/ ١٤٨- والدارميّ في السنن ٢/ ٢٢٤ والبيهقي في السنن ١/ ٢١٢، ٢/ ٣٢٩، ٤٣٣، ٦/ ٢٩١، ٩/ ٤٠ وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣١٦- وابن أبي شيبة
[ ١ / ١٣ ]
«وأرسلت إلى النّاس كافّة»،
قلنا: لو كان هذا حديثا واحدا كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من الرّواة، ولكن الّذي ينبغي أن يقال: إنهما حديثان، لأن حديث مسلم من رواية أبي هريرة، وفيه ست خصال، وحديث البخاريّ من رواية جابر وفيه خمس خصال.
والظّاهر أنّ النّبي ﷺ قالهما في وقتين، وفي حديث مسلم زيادة في عدة الخصال، وفي سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، وليس بنا ضرورة إلى حمل أحد الحديثين على الآخر إذ لا منافاة بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج والمعنى، وإن كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، وخرج كل من صاحبي الصّحيحين واحدا منها ولم يذكر الآخر.
فهذا الحديث الّذي ذكرناه عن مسلم واستدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدالة على شمول الرّسالة للجنّ والإنس.
ومن الأدلّة أيضا أن النّبي ﷺ خاتم النبيين وشريعته آخر الشرائع وناسخة لكل شريعة قبلها، ولا شريعة باقية الآن غير شريعته، ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم ﷺ إنّما يحكم بشريعة محمّد ﷺ فلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، وهو خلاف ما تقرّر، وإمّا ألّا يكونوا مكلّفين أصلا، ولم يقل أحد بذلك، ولا يمكن القول به، لأن القرآن كله مليء بتكليفهم، قال تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وقال قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ إلى غير ذلك من الآيات، ودخولهم النار دليل على تكليفهم، وهذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، وتكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها، فثبت أنّهم مكلّفون بهذه الشريعة كالإنس [(١)] .
وقال ابن حزم الظّاهريّ:
قد أعلمنا اللَّه أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ﷺ ففيهم صحابة فضلاء. هذا واللَّه تعالى أعلى وأعلم.
_________________
(١) [(١١)] / ٤٣٢ والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١١٤، ٥/ ٤٥٥ وذكره المنذري في الترغيب ٤/ ٤٣٣- والهيثمي في الزوائد ٨/ ٦١، ٦٢ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٠، ٣٢٠٥٩، ٣٢٠٦٠، ٣٢٠٦١، ٣٢٠٦٢. [(١)] انظر فتاوى السبكي ٢/ ٥٩٤ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ١٤ ]