وفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة الشّاهدة بذلك كثرة منها:
عن أبي سعيد عن النّبي﵇- قال: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» [(٥)] .
_________________
(١) [(١)] أعلام الموقعين ٤/ ١٠٢. [(٢)] النحل: ٥٩. [(٣)] شرح السنن بتحقيقنا ٧/ ٧١ والدّليل عليه قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فاطر: ٣٢ وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التّصفية فيكون قد صفّاهم من الأكدار والخطأ من الأكدار فيكونون مصفّين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا، لأن الحق لم يعدهم، فلا يكون قول بعضهم كدرا، لأن مخالفته أكدر، وبيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا ولا يخالف فيه فلو كان قولا باطلا ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي ﷺ في بعض أموره، فإنّها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء: أعلام الموقعين ٤/ ١٠٠. [(٤)] التوبة: ٣٢. [(٥)] أخرجه البخاريّ ٧/ ١٢ كتاب «فضائل الصّحابة» باب قول النبي ﷺ «لو كنت متّخذا خليلا»
(٢) ومسلم ٤/ ١٩٦٧- ١٩٦٨ كتاب «فضائل الصّحابة»: باب تحريم سبّ الصحابة (٢٢٢- ٢٥٤١) وأبو
[ ١ / ١٩ ]
وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبيّة والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند اللَّه من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم اللَّه الصّواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال [(١)]
وعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه [(٢)] .
وعن أبي موسى قال: صلّينا مع النّبيّ ﷺ المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: «ما زلتم ها هنا»، قال: قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: «أحسنتم وأصبتم»، ثم رفع رأسه إلى السّماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء، قال: «النّجوم أمنة لأهل السّماء، فإذا ذهبت النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» [(٣)] .
ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنّ هذا التّشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيّهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنّجوم، وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزا من الشّرّ وأسبابه [(٤)] .
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» [(٥)] .
_________________
(١) [()] داود ٤/ ٢١٤ كتاب السنن: باب النّهي عن سب أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٤٦٥٨) والترمذي ٥/ ٦٥٣ كتاب «المناقب»: باب فضل من بايع تحت الشجرة (٣٨٦١) . [(١)] أعلام الموقعين لابن القيم ٤/ ١٠٥. [(٢)] أخرجه التّرمذيّ ٥/ ٦٥٣ في المصدر السابق (٣٩٦٢) وصححه ابن حبان ذكره الهيثمي في «موارد الظّمآن» (٥٦٩) باب فضل أصحاب رسول اللَّه (٢٢٨٤) وأحمد في المسند ٤/ ٨٧. [(٣)] أخرجه مسلم ٤/ ١٩٦١ كتاب «فضائل الصّحابة»: باب بيان أن بقاء النّبي ﷺ أمان لأصحابه (٢٠٧- ٢٥٣١) وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٩. [(٤)] أعلام الموقعين ٤/ ١٠٤، ١٠٥. [(٥)] أخرجه مسلم في المصدر السابق ٢١٥١- ٢٥٣٥) والترمذي ٤/ ٤٣٤ كتاب الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث (٢٢٢٢) وأبو داود ٤/ ٢١٤ كتاب السنة: باب في فضل أصحاب الرسول ﷺ (٤٦٥٧) وأحمد في المسند ٢/ ٢٢٢٨ والبيهقي في السنة ١٠/ ١٦٠ والطبراني في الكبير ١٨/ ٢١٣.
[ ١ / ٢٠ ]
فأخبر النّبيّ ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا،
وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلّا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا [(١)] .
وقد يقول قائل: إن هذه الأدلّة تتناول أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأمّا من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جوابا له قول الدّكتور محمّد السّماحيّ: (وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول اللَّه ﷺ فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمّل الصّحابة الملازمون لرسول اللَّه ﷺ ومن تعرّض منهم للرّواية كحكيم بن حزام، وعتّاب، وغيرهم عرفوا بالصّدق والدّيانة وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل من سواهم من القرون بعدهم،
كقوله ﷺ: «خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم ثمّ يفشو الكذب» [(٢)] .
وهو حديث صحيح مروي في «الصّحيحين»
وغيرهما بألفاظ مختلفة، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدّين والعمل به. وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [(٣)] .
والخطاب الشّفهيّ لصحابة رسول اللَّه ﷺ ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [(٤)]، وسطا: عدولا.
فالإسلام كان في أول شبابه فتيّا قويّا في قلوب من أذعنوا له واتّبعوا هداه، وتمسّكوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحدّ، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التّوبة حيث تاب اللَّه عليهم، ولا نريد بقولنا: الصحابة عدول- أكثر من أنّ ظاهرهم العدالة [(٥)] .