من حق الأمير على من يقدم لكتابه الجليل أن يضع له ترجمة وافية، لكنى أوثر أن يقوم بهذا من هو أمكن منى، وأخص حضرة الدكتور الفاضل يوسف العش فمن الحق له وعليه أن يؤدى ذلك رابّا نعمته السالفة إذ أهدى نسخته من الإكمال إلى دائرة المعارف العثمانية إذ علم بعزمها على طبعه وأقتصر أنا على ما يحضرنى.
هو الأمير «أبو نصر سعد الملك واسمه على بن هبة الله بن على بن جعفر ابن علّكان بن محمد بن دلف بن ابى دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمرو بن شيخ بن معاوية بن خزاعى بن عبد العزيز بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل» هكذا على لوح نسخة دار الكتب من الإكمال نقلا عن الحافظ ابن عساكر عن سعد الخير الأندلسى عن محمد بن طرخان صاحب الأمير، ومثله فى ترجمة الأمير من معجم الأدباء، كذا وقع فيهما «عبد العزيز» والمعروف «عبد العزى» وقد سيق النسب هكذا فى تاريخ بغداد ٨/ ٨٠ فى ترجمة قاضى القضاة الحسين بن على بن جعفر عم الأمير و١٢/ ٤١٦ فى ترجمة ابى دلف، وفى وفيات ابن خلكان فى ترجمتى الأمير وأبى دلف لكن وقع فى نسخته بدل عمرو «عمير» وفى أنساب السمعانى فى رسمى (العجلى) و(الكرجى) «عمرو» وفى السمط ص ٣٣١ كما فى الوفيات وزاد فجعل بدل شيخ «شنج» وشكل بفتح فكسر، وهذا غريب. وقد ذكر الأمير فى الإكمال باب شيخ وما يشتبه به وذكره من بعده فلم يذكروا
[ المقدمة / ١٨ ]
هذا وقضية ذلك أنه (شيخ) كالجادة، بل لم يذكر فى الأسماء «شنج» بفتح فكسر. وفى جمهرة ابن حزم ص ٢٩٤ «القاسم بن عيسى بن إدريس ابن معقل بن سيار بن شيخ بن سيار بن عبد العزى بن دلف …» إلى آخر ما مر، فخالف فى سياق النسب بين معقل وعبد العزى. وقد يكون هذا خلافا قديما فإن جماعة من المؤلفين كصاحب الأغانى والمرزبانى يتجنبون وصل النسب مع الاتفاق على أنه من بنى عجل، وقد عقد الأمير فى الإكمال بابا لاسم شيخ وما يشتبه به وذكر جماعة ولم يتعرض لشيخ الذى فى نسبه، وذكر فى رسم سيار نبذة من نسب بنى عجل ولم يتعرض لما يستفاد فى نسبه، وربما كان يتحاشى ذلك لما حكاه أعداء جده دلف بسبب التراث والمذهب عن ابيه ابى دلف فى شأنه مع أم دلف، وهى حكاية يمتنع من ابى دلف فى عقله ونبله وترفعه أن يحكيها، ويمتنع عليه لو وقعت أن يعتز بدلف ذاك الاعتزاز فيكتنى به حتى لا يكاد يعرف إلا بأبى دلف وكيف يرضى ابو دلف أن يكتنى كنية تذكره كل وقت بتلك الفعلة؟
كل ما يحضرنى من أحوال أجداد الأمير فى الإسلام أن إدريس وأخاه عيسى كانا من عمال بنى أمية فى نواحى أصبهان وعزلهما ابن هبيرة إذ ولى العراق وسجنا ثم فرا من السجن، كما تراه فى ترجمة ابى مسلم الخراسانى من وفيات ابن خلكان وغيره، ثم كان عيسى بن إدريس ومن معه فى نواحى أصبهان يغيرون وينهبون ثم تاب عيسى ونزل موضع بلدة الكرج وعمرها ومدنها ابنه ابو دلف، تجد حكاية ذلك عند ذكر الكرج
[ المقدمة / ١٩ ]
فى معجم البلدان وغيره، ثم أخبار ابى دلف وهى أشهر من أن تذكر ثم نتف يسيرة عن أبنائه، ثم ذكر هبة الله والد الأمير وإخوته وبعض بنى عمهم، ففى كامل ابن الأثير وغيره أن ابن عمهم ابا سعد ابن ماكولا كان وزيرا لجلال الدولة ابن بويه وتوفى سنة ٤١٧ وعقبه فى الوزارة عم الأمير وهو أبو على الحسن بن على بن جعفر وتقلبت به الأمور حتى قتل سنة ٤٢١ ثم ولى الوزارة والد الأمير وهو أبو القاسم هبة الله ابن على بن جعفر وكان مولده سنة ٣٦٥ فتقلبت به الأمور يلى الوزارة ويعزل دواليك إلى أن توفى سنة ٤٣٠ فى الحبس بهيت بعد أن مكث محبوسا سنتين وخمسة أشهر كان جلال الدولة سلمه إلى قرواش بن المقلد فحبسه، وانفرد الأخ الثالث عم الأمير وهو ابو عبد الله الحسين بن على ابن جعفر كان من أهل العلم وولى قضاء القضاة ببغداد واستمر فيه سبعا وعشرين سنة ولاية متصلة لم يعزل البتة حتى مات مع شدة الاضطرابات فى تلك الفترة ببغداد وتعرض أخويه لشرها مرارا، ومولده سنة ٣٦٨ وولى القضاء سنة ٤٢٠ وتوفى سنة ٤٤٧، وفى ترجمته من تاريخ بغداد ٨/ ٨٠ قول الخطيب «كان نزها صينا عفيفا لم نر قاضيا أعظم نزاهة ولا أظلف نفسا منه» وفى الترجمة أنه من أهل جرباذقان ثم سكن بغداد وكذلك يذكر فى وصف الأمير «الجرباذقانى» وجرباذقان بلد بين همذان والكرج وأصبهان، كأن بنى دلف نزحوا إليها عن الكرج للخلاف بينهم وبين بنى عمهم.
مولد الأمير ولد الأمير ببلدة عكبرا وهى قريبة من بغداد، وفى تاريخ
[ المقدمة / ٢٠ ]
مولده أقوال الأول سنة اثنتين وأربعمائة، كذا وقع في وفيات سنة ٤٨٦ من المنتظم لابن الجوزى وهى السنة التى ذكر أن الأمير توفى فيها أو فى التى بعدها وتبعه ابن الأثير فى كامله فى أخبار سنة ٤٨٦ وابن كثير فى وفيات هذه السنة عن البداية وبنى على ذلك قوله «وقد جاوز [عمره] الثمانين كذا ذكره ابن الجوزى».
وهذا القول غلط ففى التذكرة عن ابن النجار وصف الأمير بأنه «أحب العلم من الصبا» ولم أر فى شيوخ الأمير أحدا ممن توفى قبل سنة ٤٣٠ ولا فيها إلا أنه قال فى رسم (ابّا) من الإكمال «وثبتنى فيه السعيد ابى» ولا فى التى تليها إلا واحدا هو بشرى الرومى الفاتكى فانه مذكور من شيوخه وقد نصّ الأمير على ذلك عند ما ذكره فى الإكمال فى رسم (بشرى) وغالب شيوخه هم ممن توفى سنة ٤٤٠ فما بعدها كما ستراه.
القول الثانى: سنة عشرين وأربعمائة. رواه ابن نقطة فى التقييد عن محمد بن عمر بن خليفة الحربى عن ابن ناصر إجازة، وقاله ابن الجوزى فى وفيات سنة خمس وسبعين وأربعمائة من المنتظم وتبعه فى ذكره فى وفيات تلك السنة ابو الفداء وابن الأثير وابن كثير مع ذكرهما كابن الجوزى خلافه فى أخبار سنة ست وثمانين وأربعمائة كما مر.
القول الثالث ما فى النجوم الزاهرة ٥/ ١١٥ «قال شيرويه فى طبقاته:
وكان يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بعكبرا فى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فى شعبان، وكنيته ابو نصر، قال صاحب مرآة الزمان …» وظاهر هذا أن التاريخ من بقية عبارة شيرويه، وشيرويه
[ المقدمة / ٢١ ]
ممن سمع من الأمير كما يأتى، فالظاهر أنه يحكى هذا القول عن الأمير نفسه. وفى تذكرة الحفاظ ص ١٢٠٣ «قال الحافظ ابن عساكر وزر ابوه للقائم أمير المؤمنين وولى عمه قضاء القضاة ببغداد وهو الحسين بن على، قال: ولدت فى شهر شعبان سنة إحدى وعشرين» وهذا محكى عن الأمير نفسه ويظهر أن ابن عساكر سمعه من إسماعيل ابن السمرقندى عن الأمير ففى التذكرة بعد ذلك «قال ابن عساكر سمعت إسماعيل ابن السمرقندى يذكر أن ابن ماكولا …» ذكر وفاته كما يأتى، وإسماعيل من الرواة عن الأمير، واعتمد هذا القول ابن خلكان قال «كانت ولادته فى عكبرا فى خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة» وأحسبه أخذ هذا عن نقل ابن عساكر عن إسماعيل السمرقندى فإن بقية عبارة ابن خلكان هى معى ما فى التذكرة عن ابن عساكر عن ابن السمرقندى.
القول الرابع ما فى معجم الأدباء فى ذكر وفاة الأمير «وقال ابن الجوزى: فى سنة خمس وثمانين وأربعمائة ومولده بعكبرا فى شعبان من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة» كذا قال وتبعه الكتبى فى فوات الوفيات وليس هذا فى المنتظم، ويمكن إهمال هذا القول لولا ما فى تذكرة الحفاظ أول الترجمة قال «قال ولدت فى شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة».
وقد يشكك فى الأقوال الثلاثة الأخيرة بما تقدم أن من شيوخ الأمير من توفى سنة ٤٣١ وأنه حكى عن ابيه المتوفى سنة ٤٣٠ فى الحبس بعد مكثه فيه سنتين وخمسة أشهر، ويجاب بما تقدم أن الأمير أحب
[ المقدمة / ٢٢ ]
العلم من الصبا وعنى به أهله بدليل ما تراه فى رواياته فى تهذيب مستمر الأوهام قلما يروى عن شيخ بغدادى إلا قال «قراءة فى دارنا» أو «قراءة عليه فى دارنا» أو نحو ذلك فلا ينكر إسماعه وهو ابن إحدى عشرة، أو عشر أو تسع، ولا ينكر حفظه ضبط اسم سمعه من ابيه وهو ابن تسع أو ثمان أو سبع على أنه لا ينكر اجتماعه بأبيه فى محبسه، وكان أبوه وزيرا عربيا وجيها وفى حبس قرواش بن المقلد العقيلى وهو ملك عربى سرى ولم يعرف لوالد الأمير جرم كبير فالظاهر أنه كان موسعا عليه فى محبسه يجتمع به أهله وولده.
وبعد فأرجح الأقوال هو الثالث: خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
حياة الأمير هل كان له إخوة؟ وهل كانت دارهم التى كان يدعى إليها شيوخ العلماء ليسمع الأمير منهم هى دار عمه قاضى القضاة الحسين أيضا؟ وهل تزوج الأمير؟ وهل ولد له؟ فى أسئلة أخرى لا أملك الجواب عنها فلأقتصر على ما أملك.
القدر الذى وقفت عليه من حياة والد الأمير وأخويه يبين أن اللذين وليا الوزارة وهما الحسن وهبة الله عاشا عيشة مضطربة فى مد وجزر ومتاعب ونكبات شديدة منهما وبهما حتى مات الأول قتيلا والثانى سجينا وسلم الثالث الذى اختار العلم وهو الحسين فلا غرابة أن يعتبر الأمير بذلك فيختار جانب العلم، والأمير هو القائل:
[ المقدمة / ٢٣ ]