فتقول: لم يزل يخطب ولا يفهم السامع من قولك لم يزل بأن هذا الخطيب قد خطب وانتهى وخطبته قديمة؛ بل يفهم السامع أن هذا الخطيب كان وما زال على منبره يخطب، وكقولك: لم يزل المطر نازلًا، ففرق بين كلمة لم يزل وفي الأزل فلو قال الإمام الأشعري بأن كلام الله أزلي لكان مع أصحاب هذا القول وجه احتجاج لكنه ما قال قط أزلي بل قال لم يزل فثمة فرق بين هذا وذاك.
٥ - شهد الأئمة الأثبات أن الأشعري في مسألة القرآن على منهج السلف الصالح، كشيخ الإسلام - ﵀ - (^١).
٦ - المتتبع لما ذكره الأشعري في كتاب الإبانة حول الكلام لا يجده ولو مرة واحدة ينطق بالكلام القديم، أو الكلام النفسي كما هو منهج عامة الأشاعرة، بل تجد له عبارات تدل على أنه يرى بأن صفة الكلام لله - ﷿ - صفة ذاتية اختيارية فعلية وهذا واضح من أقواله الآتية.
أ- واعلموا - رحمكم الله - أن أقوال الجهمية: إن كلام الله مخلوق يلزمهم به أن يكون الله ﷿ لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله ﷿ يُخْبرُ عن إبراهيم ﵇ أنه قال لقومه لما قالوا له: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ
_________________
(١) انظر: الدرء ٧/ ٢٣٥ - ٢٣٧.
[ ١٩٤ ]
هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣] فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهه، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يَسْتَحِيْلُ أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة، فكيف يجوز أن يكون من يَسْتَحِيْلُ عليه الكلام في قدمه إلهًا. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق، فقد وجب أن يكون لم يزل متكلمًا (^١). قلت: فأنت تلحظ هنا أنه احتج عليهم بأن الإله لابد أن يكون متكلمًا بعكس الأصنام التي لا تنطق، ثم استدل بأن الله إذا لم يجز أن يكون في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق، فقد وجب أن يكون لم يزل متكلمًا وهذا كلام منه واضح وصريح بأن الله لم يزل متكلمًا حقيقةً وليس كلامه قديم ولا نفسي، بل لأنه الإله المتكلم بالقديم المنزه عن مشابهة الأصنام، كذلك يجب أن يكون متكلمًا في الحاضر والمستقبل، وهذه دلالة أكيدة لمن تأملها بأن الأشعري يفرق بين الأزل ولم يزل، ويقصد بلفظة لم يزل صفة الكلام الفعلية الاختيارية.
_________________
(١) انظر: الإبانة بتحقيقي: ص ٣١٥.
[ ١٩٥ ]
ب - بل له نص أوضح من ذلك، حيث قال ﵀: (وقد قال الله تعالى مخبرًا عن نفسه أنه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول فلا يرد عليه أحد شيئًا، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فإذا كان الله ﷿ قائلًا مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جآن ولا شجر ولا مدر فقد صح أن كلام الله ﷿ خارج عن الخلق؛ لأنه لا يوجد شيء من المخلوقات موجود. (^١) قلت: فهذا نص صريح منه بأن الله تعالى متكلم مع فناء الأشياء، وهذا لا يقتضي أن يكون الكلام عنده قديمًا ولا نفسيًا بل كلام حقيقي يليق بجلاله ﷿ لا قديمًا ولا نفسيًّا لا يعبر عنه أحد من خلقه، بل هو المتكلم في وقت لا يوجد فيه أحد من الخلق وهذه من أوضح الدلالات أن الأشعري يرى أن الكلام من صفات الذات الفعلية بل بيَّن شيخنا المحمود - وفقه الله - في كتابه أنه نُسب للأشعري في كلام الله أقوال ليست موجودة في كتبه الموجودة (^٢) قلت: وهذا فيما يظهر لي تنبيه منه- وفقه الله - بعدم اعتبار مثل تلك النقول التي لا توجد في كتبه بل لعل تلك إشارة
_________________
(١) انظر: الإبانة بتحقيقي ص ٣١٦ - ٣١٨.
(٢) (انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٤٢١.
[ ١٩٦ ]
منه بأن المعتمد هو ما سطره في كتبه لا ما نقل عنه خاصة وقد ثبت أن هناك من قَوَّل الأشعري ما لم يقله كابن فورك ﵀. لذا ينبغي أن يستحضر المتكلم في هذه القضية وغيرها أن ثمة فرقًا حقيقيًا - وليس لفظيًا - بين عقيدة أبي الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى-بعامة، وصفة الكلام بخاصة وبين عقيدة الأشاعرة باعتبارها فرقة كلامية شهيرة. من حيث أن الأشعري - ﵀ - قد رجع عن آرائه الكلامية التي قال بها في فورة حنقه على المعتزلة وخروجه عنها، وبراءته منها. إن هذا الذي نقوله وننبه إليه يشمل كافة ما قاله الأشعري - ﵀ - مخالفًا السلف. حيث رجع عنه في الجملة عند الجميع، وفي التفصيل عند المحققين حيث أن الشيخ أبا الحسن قد شهد وأشهد على نفسه، في كلام صريح واضح لا لبس فيه ولا خفاء، أنه قد رجع عما كان عليه إلى عقيدة السلف الصالح - رضوان الله عليهم -، وتحديدًا إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - وكرر ذلك وأكده وأثبته. ومقتضى ذلك لدى المنصف؛ أن ننظر في عقيدة السلف الصالح والإمام أحمد - ﵏ -، ونقرر أنها هي عينها عقيدة الشيخ أبي الحسن - ﵀-.
جـ - بل للأشعري - ﵀ - نص صريح أَقْوَى من جميع ما سبق يهدم من خلاله عقيدة الكلام النفسي، حيث قال: وقد قال
[ ١٩٧ ]
الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالًا في غيره، مخلوقًا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم (^١) قلت: فهذا تصريح منه بأن الكلام يقتضي المشافهة، وهذا يخالف ما عليه كثير من الأشاعرة، والماتريدية والكلابية، بأن كلام الله معنىً واحد قائم بالنفس (^٢). وهذا يدل على أن الأشعري - ﵀ - مخالف لما عليه الأشاعرة من اعتقادهم بالكلام النفسي؛ لأن المشافهة في لغة العرب - كما ذكر ابن منظور - هي المخاطبة من فيَّك إلى فيه (^٣) وهذا دليل بين في أنه يثبت بأن الله جل وعلا شافه موسى ﵊، فخاطبه جل وعلا وسمع موسى كلام الله حينئذ بلا واسطة ولا يمكن أن يكون هذا إلا بحرف وصوت مسموع.
د - ومما يؤكد أن الإمام الأشعري - ﵀ - يقصد بقوله: لم يزل متكلمًا إثبات الصفة الفعلية، وليس قصده أنه تكلم بالأزل ثم لم يعد متكلمًا. أنه نقل كلام الإمام أحمد عندما قال: فالقرآن
_________________
(١) (انظر: الإبانة بتحقيقي ص ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) (انظر الإنصاف للباقلاني ص ١٤٩ - ١٧٣ وشرح المواقف للجرجاني ٤/ ١٥٦، وانظر مجموع الفتاوى ٨/ ٤٢٤.
(٣) انظر لسان العرب ١٣/ ٥٠٧.
[ ١٩٨ ]
من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نَشُكُّ أنه غير مخلوق، وهذا كلام الله ﷿ ولم يزل الله به متكلمًا (^١). فنقله كلام الإمام أحمد إقرار منه وتأييد.
هـ - وقال في موطن آخر: ويقال لهم: «خبرونا أن من زعم أن الله متكلم قائل لم يزل آمرًا ناهيًا» لا قول له ولا كلام، ولا أمر ولا نهي، أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين؟ فلابد من نعم، يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله: عالم ولا علم له، كان مناقضًا خارجًا عن جملة المسلمين (^٢). وفي الجملة، هذه بعض النقول التي أوردها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة عن مسألة الكلام. فجلى بوضوحٍ منهجه ومذهبه الموافق للسلف بأن صفة كلام الله - ﷿ - عند الأشعري صفة ذاتية فعلية.
٧ - إن المنهج السليم عند النقد أن يقوم الناقد بإجراء الكلام على ظاهره، بل نص الأشعري بوجوب «أن يجري الكلام على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحُجَّة» (^٣). فالتزام الأشعري بهذه القاعدة العظيمة دليلٌ على اتباعه للسلف الذين يرفضون التأويل
_________________
(١) (انظر الإبانة بتحقيقي ص: ٣٣٨.
(٢) انظر الإبانة بتحقيقي ص: ٤٧٥.
(٣) انظر الإبانة بتحقيقي ص: ٣٠٧ بتصرف يسر.
[ ١٩٩ ]