تعبيرًا عن تَحَوُّلاتٍ مُفَاجِئة (^١).
الترجيح: الذي يترجح عدم صحة الرؤى المنامية جملة لما يلي:
أ - إن الأسلوب الذي عرضت فيه هذه الرؤى لا يمكن قبوله، فكيف جعلها بعض المؤرخين هي السبب الرئيس في تَحَوُّلِ الأشعري؟ فهذا محل نظر!
ب - كما لا يمكن تصديق هذه الروايات التي ذكرت الرؤى، لأنها لا تخلو حقيقة من تكلف، بل يظهر في بعضها أسلوب الوضع، ولعل أقرب الأدلة على ذلك، أنه أظهر الرسول -ﷺ- مستحسنًا لعلم الكلام عندما قال: - «أنا ما نَهَيْتُكَ عن علم الكلام؟» وعلم الكلام مذموم عند أهل السنة والجماعة، وما كان يعرف عند أصحاب القرون المفضلة، فكيف يظهر أنَّ الرسول -ﷺ- يُقره؟! هذه وحدها كافية لرد بعض هذه الرؤى.
جـ - من الأمور التي تدعو لعدم قبول هذا السبب أنَّ من سبقوا ابن عساكر ﵀ لم يذكروها. مع أنهم أقرب عهدًا بهذه الرؤى المنامية - لو صحت منه ـ، ناهيك عن أن هذه الرؤى لم تثبت بأسانيد صحيحة أو متصلة، وعلى هذا، فلا يمكن أن يُعَوَّلَ عليها.
د - إن كثيرًا من هذه الروايات فيها زيادات وإضافات لا يشكُّ بأنها موضوعة مكذوبة، لذا يتوجب علينا أن نخضع هذه المرويات للنقد
_________________
(١) انظر: مذاهب الإسلاميين ص ٤٩٧، بتصرف يسير.
[ ١٢١ ]
العلمي المتجرد من العاطفة، ناهيك عن أن غالب هذه المرويات قد ذكرت في كتب التراجم، وغالبها من غير أسانيد، لذا فإن اعتمادها وجعلها حقيقة واقعة يرفضه الشرع والعقل، وعلينا أيضًا ألا ندعها بكلية ونسقط قيمتها، بل علينا أن نأخذ ما تؤيده الشواهد وحفّت به القرائن، فينبغي أن نميز ما فيها من زيادات وإضافات موضوعة فلا نرفضها جملة واحدة ولا نقبلها جملة واحدة دون بيان؛ لأن هناك من قبلها بالكلية ورفض مجرد الحوار حول مصداقيتها، فجعلها حقيقةً ثابتة هي عنده بحكم النص المُنَزَّل، فالطعن فيها عنده كالطعن بالشرع.
هـ - هناك عبارة وردت في إحدى هذه الرؤى، وهي الرؤيا الثالثة، وفيها قول الرسول -ﷺ-: «وإنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق» وهنا ثمة سؤال يُطْرَح: هل روي عن الرسول -ﷺ- مذاهب كما في هذه الرواية، أم منهج واحد كما هو معروف؟ وهو منهج الحق، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^١) فالحق واحد والباطل سُبُله كثيرة، وهذه الإشكالية تؤكد عدم صحة هذه الرؤى، أو على الأقل عدم إيرادها بألفاظها الصحيحة، وإن كنت أَمِيْلُ بأن لهذه الرؤى المنامية أصلًا صحيحًا، بل قد تكون ساعدت وأسهمت في تحوّل الإمام الأشعري إلى منهج الحقّ لكن مع التأكيد بعدم قبول جميع هذه
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
[ ١٢٢ ]