رسول الله! كيف أدع مذهبًا تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟ فقال لي: لولا أني أعلم أن الله تعالى يمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين وجوههم، وكأنك تعدُّ إتياني إليك هذا رؤيا، ورؤياي جبريل كانت رؤيا، إنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده، فقال: فاستيقظت وقلت: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك، فكان يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب، فعلمت أن ذلك من مدد الله تعالى، الذي بشرني به رسول الله -ﷺ-» (^١).
الرؤيا الثالثة: وقد وردت رواية ثالثة أخرى في كتاب تبيين كذب المفتري تقول: «إن الشيخ أبا الحسن - ﵀ - لما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ غاية، كان يورد الأسئلة على أستاذيه في الدرس، ولا يجد فيها جوابًا شافيًا، فتحير في ذلك فحكى عنه أنه قال: وقع في صدري بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت، فر
أيت رسول الله -ﷺ- في المنام، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول الله -ﷺ-: عليك بسنتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام، فما وجدت في القرآن
_________________
(١) انظر تبين كذب المفتري ص ٤٠ - ٤١.
[ ١١٤ ]
والأخبار أثبته، ونبذت ما سواه ورائي ظهريًا» (^١) قلت: وهذا هو السبب الأول الذي أدى إلى تحول الأشعري عن الاعتزال عند بعض الباحثين، ومما لاشك فيه، أن الرؤى من الأمور التي أقرت بها الشريعة الإسلامية. حيث قال -ﷺ-: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (^٢). فالرسول -ﷺ- جعل الرؤيا من المبشرات، بل قد يرى المؤمن في منامه رؤيا تحثه على طاعة الله، ومن ذلك مثلًا ما أخرجه الإمام البخاري - ﵀ - (^٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر (^٤)، عن أبيه
_________________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٨ - ٣٩، وانظر طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٣٤٢.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التعبير باب المبشرات حديث رقم - ٦٩٩٠ - وأبو داود في سننه في كتاب الأدب باب: ما جاء في الرؤيا حديث رقم (٥٠١٧)، والنسائي في السنن الكبرى في التعبير باب الرؤيا حديث رقم (٧٦٣١)، ومالك في الموطأ في كتاب الرؤيا باب ما جاء في الرؤيا رقم (٩٥٦).
(٣) هو: إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، مولاهم، أبو عبد الله، البخاري، ولد ﵀ في سنة أربع وتسعين ومائة، - رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، وسمع من عدد من الأعلام، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وصنف التصانيف، ومن أهمها الجامع الصحيح والتاريخ، وكان إمامًا حافظًا عالمًا ورعًا، وأثنى عليه أئمة علم الحديث، ذكر الذهبي في سيره جمعًا منهم، وحصلت له - ﵀ - محنة مع أمير بخارى، وتوفي - ﵀ - سنة ست وخمسين ومائتين وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. انظر سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١ - ٤٦٩ وتهذيب الكمال ٢٤/ ٤٣٠ - ٤٦٨.
(٤) هو: الإمام الزاهد، الحافظ، مفتي المدينة، أبو عبد الله، وأبو عمر، سالم بن عبد الله بن عمر، ابن الخطاب، القرشي العدوي، المدني، وأمه أم ولد، والده الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، روى عن أبيه وعن عدد كبير من الصحابة، وهو من كبار التابعين، ويعتبر إسناده عن أبيه أقوى الأسانيد، قال أحمد وإسحاق: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه، وكان والده يحبه ويجله، حتى كان يقول وهو يقبله: شيخ يقبل شيخًا، فلما لامه الناس بذلك أنشأ فقال: يلومونني في سالم وألومهم … وجلدة بين العين والأنف سالم توفي - ﵀ - في سنة ست ومائة. انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٧ - ٤٦٧، وتهذيب الكمال ١٠/ ١٤٥ - ١٥٤.
[ ١١٥ ]
عبد الله بن عمر (^١) قال: (كان الرجل في حياة النبي -ﷺ- إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله -ﷺ-، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله -ﷺ-، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: -
_________________
(١) هو: الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه قبل أن يحتلم، واستصغر يوم أحد، أول غزوة حضرها هي الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وجاهد بعد النبي ﷺ، أثنى عليه النبي ﷺ كما في البخاري حينما قال نعم: الرجل عبد الله لو كان يصلِّي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل، وكان شديد الاتباع للسنة، والاقتداء بالنبي ﷺ، مات ﵁ سنة ثلاث وسبعين بعد أن بلغ من العمر سبعًا وثمانين سنة. انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٣ - ٢٣٩، وتهذيب الكمال ١٥/ ٣٣٢ وما بعدها.
[ ١١٦ ]
فلقينا ملك آخر فقال لي: لَمْ تُرَعْ؟ فقصصتها على حفصة، (^١) فقصتها حفصة على رسول الله -ﷺ-، فقال «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا» (^٢) فهذه الرؤيا تعامل معها ابن عمر ﵁ بما ينبغي. فلا ريب إذًا أن الرؤيا لها اعتبارها متى ما توفرت الصفات والشروط والاعتبارات الأخرى التي ليس هنا مجال بحثها. كما أن رؤيا النبي -ﷺ- حقٌ، حيث وردت في ذلك أحاديث كثيرة، لقوله -ﷺ-: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (^٣). قلت: وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة، ولكن، هل ما نقل عن رؤى الأشعري حقيقية أم مكذوبة؟ فالمتأمل في هذه الروايات لمنامات الأشعري يلحظ أنها لا
_________________
(١) هي: أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عدي القرشي، زوجها هو المعصوم ﷺ ووالدها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تزوجها رسول الله -ﷺ- قبل أحد، ذكر ابن سعد عدة روايات عن موقف والدها من تزويجها، من أبي بكر وعثمان قبل أن يخطبها الرسول -ﷺ-، وكانت ﵂، صوامة قوامة، توفيت ﵂ في شعبان في سنة خمس وأربعين في زمن خلافة معاوية ﵁ وهي يومئذ ابنة ستين سنة، انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٦٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في أبواب التهجد، باب: فضل قيام الليل، حديث رقم (١١٢١، ١١٢٢)، ومسلم في صحيحه في فضائل الصحابة، فضل عبد الله بن عمر حديث رقم ٢٤٧٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب من رأى النبي -ﷺ- في المنام، حديث رقم ٦٩٩٤، كما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا. باب قوله -ﷺ- من رآني في المنام فقد رآني، حديث رقم ٢٢٦٦.
[ ١١٧ ]