الأوحد أبي محمد عبد الله بن سعيد هو مذهب مشايخ أهل الحديث وأئمتهم، في الأصول والفروع المتعلقة بها. وإنَّ شيخنا علي بن إسماعيل الأشعري، إنما بنى على ما أسس، ورتب الكلام على ما هذب، وفرَّع على ما أصَّل غير ناقض منه أصلًا، ولا حالٍّ منه عقدًا، ثم قال الفصل الأول: في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن في كتاب المقالات من جمل مذاهب أصحاب الحديث وقواعده، وما أبان في آخره، أنه يقول بجميع ذلك وأن الشيخ أبا محمد عبد الله بن سعيد وأصحابه بذلك يقولون وبأكثر منه (^١). وقد انتقد شيخ الإسلام - ﵀ - ما ذكره ابن فورك فقال: «لقد نقل ألفاظ أبي الحسن الأشعري من كتاب المقالات وفي مواضع غيَّر كلامه بزيادة ونقصان تارة غلطًا وتارة عمدًا باجتهاده لاعتقاده أن الصواب هو الذي ذكره دون ما وجده فيما ذكره أبو الحسن» (^٢) ثم شرعَ ﵀ في بيان الحق، حيث قال: إن أبا الحسن قد حكى عن أهل الحديث أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص، وابن فورك قد حكى عن ابن كلاب: إنكار أن يكون العمل إيمانًا (^٣). وما قاله ابن فورك ليس صحيحًا، فالأشعري في المقالات يُفرق
_________________
(١) انظر جملة هذه المقالات فيما نقلها عنه شيخ الإسلام في بيان التلبيس ١/ ٨٢ باختصار.
(٢) انظر جملة هذه المقالات فيما نقلها عنه شيخ الإسلام في بيان التلبيس ١/ ٨٢ باختصار.
(٣) انظر بيان التلبيس ١/ ٨٣.
[ ١٧٠ ]
بين جملة أقوال أهل الحديث وأقوال أصحاب ابن كُلاب (^١) مع أن الأشعري ﵀ يُفرق بين أصحاب الحديث وأصحاب ابن كُلاب، والشاهد أن ابن فورك نص على متابعة الأشعري لابن كلاب، ولم يذكر أن للأشعري طورًا بعد الاعتزال غير هذا الطور.
٢ - وقال الشهرستاني (^٢): إن عبد الله بن سعيد، كان من جملة السلف إلاَّ أنه باشر علم الكلام، وأيد عقائد السلف، بحجج كلامية، وبراهين أصولية، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح، فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالاتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية (^٣). فهنا الآن نص من الشهرستاني على أن الأشعري بعد طور الاعتزال سلك طريقة ابن
_________________
(١) انظر مقالات الإسلاميين ١/ ٢٢٩.
(٢) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد ابن أبي بكر أبو الفتح، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة في شهرستان، له العديد من المصنفات منها: الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام، والذي ذكر في أوله: لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم قال عنه ابن خلكان: كان إمامًا مبرزًا، فقيهًا، متكلمًا، واعظًا، توفي في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. انظر وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٣، وشذرات الذهب ٦/ ٢٤٦.
(٣) انظر الملل والنحل ١/ ٧٤.
[ ١٧١ ]
كلاب ولم يذكر طورًا غيره.
٣ - المقريزي، حيث قال: وكان أبو الحسن علي الأشعري قد أخذ عن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ولازمه عدة أعوامٍ، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال، وسلك طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر (^١)، وقال في موضع آخر وسلك بعض طريق ابن كلاب (^٢).
٤ - وذكر الألوسي: أنَّ الأشعري عندما ترك الاعتزال سلك طريق ابن أبي كلاب حيث قال: إن الأشعري قد نشأ على الاعتزال ثم رجع عن الاعتزال، وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعد ذلك طريق ابن كلاب، وبقي على قواعده، وصنف تصانيف كثيرة (^٣). فقد صرح الألوسي بأن الأشعري اتبع بعد الاعتزال طريق ابن كلاب واستمر على قواعده، ولم يذكر هنا أنه انتمى للسلف الصالح أصحاب أهل الحديث.
٥ - الكوثري، حيث قال: أما (الإبانة) التي كان قدمها إلى البربهاري في أوائل انتقاله إلى معتقد أهل السنة، فتحتوي على بعض آراء غير مبرهنة جارى فيها النقلة ليتدرّج بهم إلى الحقّ، لكنه لم ينفع ذلك - على
_________________
(١) انظر الخطط ٤/ ١٩١.
(٢) انظر الخطط ٤/ ١٩٣.
(٣) انظر جلاء العينين ص ٢٤٩.
[ ١٧٢ ]
تلاعب الأقلام فيها - فاستقر رأيه - بعد عهد في الإفراط والتفريط - على ما نقله هؤلاء عنه من الآراء المعتدلة (^١)، والخلاصة: أن أصحاب هذا القول رجحوا بأنه في طوره الأخير سلك طريق ابن كلاب وأدلتهم:
أ - استقرائي تاريخي، وذلك لأن عامة الأشاعرة وأئمة أصحابه هم أعلم الناس بأحواله وكتبه وقد قرروا من المذهب الأشعري الذي نسبوه إليه ما يختلف اختلافًا واضحًا في كثير من مسائله مع منهج السلف الصالح، ولذا تجدهم ينسبون أنفسهم إليه ولو كان عندهم علم أصول السلف ومنهجهم لما انتسبوا إليه وتركوا من هم أجل وأفضل علمًا من الأشعري بالاتفاق، كمالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة ﵏ فانتسابهم للأشعري وتركهم لهؤلاء دليل واضح على مخالفة الأشعري عندهم لهؤلاء الأئمة ومن ثم انتسبوا إليه وتركهم.
ب - ما في كتبه غير الإبانة من مخالفة صريحة لأهل السنة والحديث، انظر على سبيل المثال: نفيه لصفات الأفعال الاختيارية في رسالته لأهل الثغر (^٢). ويرد على أصحاب هذا القول بما يلي:
أ - أن الأشعري أعلن عند رجوعه أنه متبع لأهل السنة، بل وأعلن
_________________
(١) انظر الإنصاف ص ١١.
(٢) انظر رسالته لأهل الثغر ص ٢١٤، ٢١٥.
[ ١٧٣ ]
في الإبانة، انتسابه للإمام أحمد، فكيف يقال أنه اتبع ابن كلاب؟! وهو الذي أعلن أيضًا أن منهج ابن كلاب مخالف لمنهج أهل الحديث الذين ينتمي إليهم الأشعري حيث قال في المقالات: - عند شرحه قول ابن كلاب في الأسماء: «وكان يَزْعُمُ أن صفات الباري لا تتغاير»، وهذا الكلام يقتضي مخالفته ثم ذكر بعدها عبارة، واختلف أصحاب عبد الله بن كلاب» (^١)، ولم يذكر أنه من أصحاب ابن كلاب. بل ووصف ابن كلاب بأنه كان يزعم أن صفات الباري لا تتغاير، فهل هذه عبارة يقولها تابع بحق إمامه؟!! بل إنه أعلن صراحةً أنه من أهل الحديث وأن أهل الحديث مُغَايرُون لابن كلاب، فعند ذكره جملة أقوالهم قال: - «وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب». ثم قال بعدها، ذكر قول أصحاب عبد الله بن سعيد القطان (^٢). قلت: فهل يُلزم أصحاب هذا القول الأشعري أن يكون كلابيًا، وقد بين إنه من أهل الحديث، وأصحاب ابن كلاب ليسوا منهم. نعم الأشعري وافق ابن كُلاب في الكثير من القضايا الكلامية، ولكنه لم يقصد الانتماء إليه بل حدث التوافق في الأقوال وهذا لا يلزم أن يكون الأشعري تلميذًا أو تابعًا لابن كلاب، خاصة وأنه قد بين أن ما يقول به مخالف لقول أصحاب ابن كلاب، لكنه قد يكون موافقًا لابن كلاب في بعض آرائه، واتفاق أصحاب المذاهب على بعض
_________________
(١) انظر مقالات الإسلاميين ٢٣٢.
(٢) انظر مقالات الإسلاميين ٢٢٦.
[ ١٧٤ ]