النص أن الأشعري جعل كلام الله أزليًا، كما أن علم الله أزلي، ثم ذكر أنه يستحيل أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفًا، وخلاف الكلام يفسره بأنه سكوت أو آفة وهذا واضح الدلالة أنه قصد أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام، بل كلامه كله قديم أزلي، ثم وضح ذلك بقوله: (فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلمًا كما وجب أن يكون لم يزل عالما). ويمكن أن يقارن بكلام له مشابه في كتاب اللمع -يقول في كتابه هذا: «ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلما أنه لو كان لم يزل غير متكلم وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام لكان موصوفًا بضد من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة» مناقشة هذه الملاحظة: -
١ - لا يفهم في أي حال من الأحوال أن قصد الإمام الأشعري في هذا الكلام أن كلام الله قديم في الأزل غير متجدد، وبأن الله غير متكلم حيث شاء متى شاء وكيف شاء. فهذا لم يذكره الأشعري في كلامه هذا، بل إن قوله: «إن الله لم يزل متكلمًا لأن ضد الكلام سكوت أو آفة»، دليل قاطع على أن الأشعري يرى أن صفة الكلام صفة ذاتية فِعْلِية، ويؤكد ذلك أنه جعل خلاف عدم الكلام السكوت. فلو كان قصد الأشعري بأنه متكلم في القديم وليس له كلام بعد كلام ما استقام مع قوله لم يزل متكلمًا؛ لأن الكلام القديم الذي ليس بعده كلام يناقض تماما قوله لم يزل متكلما؛ لأن عبارة لم يزل متكلما، تدل
[ ١٩٠ ]
على أن صفة كلام الله عند الأشعري صفة فعلية اختيارية، فهو لم يقل أن الله متكلمًا بالأزل، بل قال لم يزل متكلما، ففرق بين هذا وذاك، ولذا نجد السلف يذكرون في كتبهم عندما يبينوا بأن صفة الكلام صفة فعلية اختيارية يُعَبِّرُون عن ذلك بعبارة لم يزل متكلمًا. قال الإمام ابن منده (بيانًا آخر يدل على أن الله ﷿ لم يزل متكلمًا (^١). فعبارة: لم يزل متكلمًا تدل صراحة على أن صفة الكلام صفة فعلية اختيارية، لا تعبر لا عن الكلام النفسي ولا على الكلام القديم.
٢ - عندما شبه الأشعري صفة الكلام بالعلم، لم يرد المطابقة بين الكلام والعلم في جميع الحالات كما هو واضح من طريقة مناقشته ومجادلته لخصومه، وإنما أراد أن يثبت للخصوم بأن عدم الاتصاف بالكلام كعدم الاتصاف بالعلم. فهو يقول لهم: ما الذي يجعلكم تثبتون صفة العلم، ولا تثبتون صفة الكلام؟ فهو إذًا سلك هنا معهم مسلكًا سلكه القرآن مع أهل الشرك في مسألة تقرير الألوهية، فقد أرشدهم الله بأن يستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية؛ لأن المشركين كانوا يسلمون بتوحيد الربوبية وينازعون بالألوهية، كقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ
_________________
(١) انظر التوحيد لابن منده ص ٥٩٩.
[ ١٩١ ]
اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [سورة المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. قال العلامة محمد بن إبراهيم (^١) في شرحه لكشف الشبهات: وهذا مما احتج به تعالى عليهم، حيث احتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته، على ما جحدوه من توحيد العبادة، فإن توحيد الربوبية هو الأصل وهو الدليل على توحيد الألوهية (^٢). فأنت تجد هنا أن الأشعري سلك مع المعتزلة مسلك إقرارهم وإلزامهم بالمُجْمَع عليه. على المخْتَلف فيه؛ لأن المجمع عليه يدل على المختلف فيه ولا يلزم المطابقة من كل وجه كما سبق أن بينت.
_________________
(١) هو: سماحة الإمام العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ ﵀، ولد في مدينة الرياض عام ١٣١١ هـ، تلقى العلم على يد والده الذي كان أحد علماء زمانه، وعلى يد عمه عبد الله بن عبد اللطيف، وعلى المشايخ سعد بن عتيق وحمد بن فارس. أسس ﵀ الجامعة الإسلامية في المدينة، ورأس الكثير من الكليات والمعاهد، والمؤسسات الخيرية، وتولى رئاسة مجلس القضاء الأعلى والإفتاء في المملكة، من أهم آثاره: فتاواه في ثلاثة عشر مجلدًا، وشرح كشف الشبهات، ورسالة تحكيم القوانين والعشرات غيرها، توفي ﵀ في مدينة الرياض عام ١٣٨٩ هـ. انظر: للمزيد من ترجمته علماء نجد خلال ثمانية قرون ١/ ٢٤٢ - ٢٦٣ وموسوعة أسبار ٣/ ٩٥٢.
(٢) انظر كشف الشبهات ص ٣٦.
[ ١٩٢ ]
٣ - إن هذا المسلك يجعل الإقرار بصفة العلم يقتضي الإقرار بصفة الكلام مسلكًا سلكه الأشعري في الكثير من القضايا في كتابه هذا؛ بل نجده حتى في مسألة العلم عندما نفى بعضهم علم الله. قال لهم: إذا أَوْجَبْتُم أن لله كلامًا، وليس له علم، لأن الكلام أخص من العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: أن لله قدرة، لأن العلم عندكم أعم من القدرة ، بل نجده يلزمهم بالإقرار بصفة الإرادة قياسًا على صفة العلم، والشاهد هنا أن هذه الإلزامات التي سلكها لا تقتضي فيما يظهر أنه يقصد المطابقة من كل وجه.
٤ - لو فرضنا صحة ما ذكره أصحاب هذا القول، فإن هذا لازم قول الأشعري، وليس صريح قوله. ولازم القول ليس بقول، كما أن لازم المذهب ليس بمذهب. فما بالنا والإمام الأشعري - ﵀ - لم يقل ذلك ولم يقصده فيما يظهر من خلال نصوصه؛ لأن نصوصه ناطقةٌ بأن ربنا لم يزل متكلمًا، لأن لم يزل تقتضي الاستمرار، فوصف الأشعري لله ﷾ بهذه الجملة﴾ لايزال متكلمًا﴾ إنما يفيد التجدد والاستمرار. فإن ثمة فرقًا بين أن يقال:﴾ إنه تعالى كان متكلمًا﴾ أو: «إنه تعالى - تكلم وانتهى من الكلام»، وبين أن يقال: «إنه سبحانه - لايزال متكلمًا» فإن العبارات الأولى تفيد الانقطاع عن الكلام. وأما العبارة الأخيرة فتفيد - يقينًا وبالنص - التجدد والاستمرار. وذلك يتضح مما لو قلنا هل انتهى الخطيب من خطبته؟
[ ١٩٣ ]