القول الأول:
هناك من يرى أنه عند رجوعه عن منهج المعتزلة الفاسد كان رجوعًا عن الفروع فقط، مع بقاء الأصول، وقال بهذا القول خلف المعلم، حيث قال: «أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول (^١). وقال أبو نصر السجزي مؤيدًا لقول خلف المعلم: «وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره» (^٢). بل وشنع السجزي على الأشعري وقال: «الأشعري وأقرانه يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالًا منهم في الباطن» (^٣).
قلت: أما أصحاب هذا القول، فلقد جافوا الحقيقة؛ لأنه ﵀ رجع عن كثيرٍ من أصولهم بعد تركه الاعتزال مباشرة، ويلحظ ذلك من قرأ كتبه التى ألفها قبل الإبانة سواء: المقالات، أو الموجز، أو حتى اللمع. أما في الإبانة فقد رجع عن جميع أصولهم، ومقولة أنه رجع عن الفروع فقط قول غير صحيح، لذا رد شيخ الإسلام ﵀ على هذا
_________________
(١) انظر: رسالة السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٤٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/ ٢٣٦.
(٢) انظر: رسالته في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٤١.
(٣) الرد على من أنكر الصوت والحرف ص ٨١.
[ ١٥٦ ]
القول، وأوضح مقصد قائله. فقال: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية، والقرآن، والصفات. ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباعه المتأخرين، فأعطوا الأصول - التي سلَّمها للمعتزلة - حقها من اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر، وأنه واحد قديم (^١).
قلت: ومخالفة الأشعري في بداية تحوله لغالب أصول المعتزلة يظهر بأن هذا القول ضعيف، فمسألة الرؤيا ومسألة خلق القرآن من أعظم
_________________
(١) انظر الدرء ٧/ ٢٣٧.
[ ١٥٧ ]
أصول الأشاعرة ومع ذلك فقد نقضها أمَّا في طوره الأخير فقد نقضها كلها، وهذا يدل على أن رجوعه كان عن الأصول وليس عن الفروع فقط والله أعلم.
[ ١٥٨ ]