كتابه الإبانة ليس إلا واحدًا من الحنابلة في الأصول منهجًا وموضوعًا (^١).
قلت: ولكن المشكلة عند أصحاب هذا القول أنهم يفهمون السلفية فهمًا خاطئًا، ودليل ذلك: أن فاروق الدسوقي مثلًا يعلن عدم التعارض بين كتابي الإبانة واللمع، مع أن التعارض بينهما واضح. حيث قال: والذي أراه وأقرره في اطمئنان: هو أن الكتابين متفقان تمامًا منهجًا وموضوعًا، والاختلاف الظاهر هو نتيجة للنظرة السطحية فيما لا يمس المنهج ولا العقيدة التي يحتويها كل منهما، وممالا شك فيه أن الأشعري عاد من الاعتزال إلى عقيدة السلف مرة واحدة، وظل عليها حتى موته. ثم قال: إن دعوى اختلاف اللمع عن الإبانة دعوة باطلة، يحاول ترسيخها أعداء السلف وأهل البدع من المسلمين وأهل الزيغ من الملحدين، ثم قال مناقضًا نفسه: إنه مما لاشك فيه، أن بين الكتابين اختلافًا لكن الذي نرفضه، هو أن يكون بين العقيدة المتضمنة في كل منهما اختلاف، وذلك يُحَتِّمُ علينا أن نجيب عن هذا السؤال: هل الاختلاف بين عقيدة الكتابين يصل إلى حد التناقض، أو التغاير؟! حتى يتحتم علينا أن ننسخ أحدهما بالآخر تبرئة لصاحبهما من التناقض أم أن الأمر لا يستحق ذلك؟! ثم أجاب على هذا السؤال بقوله: علينا أولًا أن
_________________
(١) انظر القضاء والقدر في الإسلام ٢/ ٣١٤، ٣١٥ باختصار وتصرف.
[ ١٦١ ]
ننظر في اسمي الكتابين، لما لهما من دلالة في تحقيق نصوص الكتابين، ومقارنة العقيدة في كُلٍّ منهما، فالإبانة يوحي بأن الأشعري في ذهنه القديم عقيدة القرآن الكريم والسنة إلى المسلمين وبالذات إلى عامة المسلمين، لأن المقصود بالديانة هنا الإسلام. ومن هنا يمكننا القول: إن كتاب الإبانة مكتوب وموجه للباحثين عن الحق من المسلمين، المخلصين، لإزالة شبهات المبطلين والمشككين من نفوسهم. إذًا، هدف الإبانة: تبيين أصول الدين للمسلمين أما اسم كتاب اللمع: فهو اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، واسم الكتاب يدل دلالة قاطعة على أن الاختلاف بينه وبين الإبانة ليس في العقيدة ولكن في أمرين هامين يؤثران في منهج الكتاب وأسلوبه:
١ - الهدف: ثم بين أن الهدف من كتاب الإبانة: هو تبين أصول الدين للمسلمين. بينما الهدف من اللمع هو: الرد على أهل الزيغ من غير المسلمين، وأهل البدع من المسلمين.
٢ - اختلاف المخاطب أيضًا، فكتاب الإبانة مكتوب وموجه للباحثين عن الحق من المسلمين، بينما اللمع يخاطب به الأشعري أهل الزيغ من الملاحدة؛ أن الكتاب يبدأ بالدليل على وجود الصانع والخالق للمحدثات، ثم يدلل بعد ذلك على أنه لا يشبه المخلوقات، ثم يبرهن
[ ١٦٢ ]
على وحدانيته، كما أنه يبرهن على البعث .. الخ (^١). والرد على هذا القول بما يلي:
أ - لاشك بأن هذا الكلام يحمل الكثير من التناقض فغالب من رد عليهم في الإبانة هم من رد عليهم في اللمع وإن كان أضاف في اللمع طوائف أخرى، فهذا لا يعني اختلاف الهدف والمخاطب، وإنما اختلف الأسلوب والمنهج، ولكن الذي يظهر أن الدكتور فاروق لم يقرأ الإبانة كاملة، أو قرأها على عجالة من أمره، وإلا فهي مليئة بالردود على الجهمية والمعتزلة، ولكنها زادت عن غيرها بأن فيها بيانًا واضحًا لمنهج أهل السنة، ورأيُ فاروق هنا غير مسبوق. إذن أصحاب هذا القول: يرون أنه رجع إلى منهج السلف والحديث ولكن مفهوم أهل الحديث عندهم هم من يثبتون الصفات السبع، وهذا خطأ جسيم؛ لأن هذا منهج المتكلمة لا أهل السنة.
ب - وَيُرَدُّ على أصحاب هذا القول أيضًا! بأن الأشعري قد ألف العديد من الكتب بعد رجوعه كاللمع والمقالات وفيها مخالفة صريحة لأقوال أهل السنة، ومثال ذلك ما نقله عنه ابن حزم أنه قال: روى عن الأشعري أنه قال: المعجز الذي يتحدى الناس بالمجياء بمثله، هو الأول
_________________
(١) انظر القضاء والقدر ٢/ ٣٢٢، ٣٢٤ باختصار وتصرف.
[ ١٦٣ ]
الذي لم يزل مع الله تعالى، ولم يفارقه قط، ولا أنزل إلينا ولا سمعناه (^١). قال ابن حزم: وهذا كلام في غاية النقصان والبطلان، إذ من المحال، أن يكلف أحد أن يجياء بمثل ما لم يعرفه قط ولا سمعه فيلزمه ولابد، بل هو نفس قوله: إنه إذا لم يكن المعجز إلا ذلك فإن المسموع المتلو عندنا ليس معجزًا، بل مقدور عليه، أو على مثله وأيضًا فإنه خلاف القرآن، لأن الله تعالى ألزمهم بسورة أو عشر سور فيه (^٢). فهل هذا قول من اتبع السلف الصالح؟ إن القول بأن الأشعري قد رجع رجوعًا كاملًا من بداية أمره مردود بالأدلة، مدموغ بالبرهان، وفي اللمع ورسالة استحسان الخوض في علم الكلام براهين واضحة على ذلك. ولا غرابة من أصحاب هذا القول لأنهم يرون أن منهج الأشعري في المقالات واللمع هي أقوال أهل الحديث.
جـ - ومما يؤكد أنه عند رجوعه مباشرة عن الاعتزال لم يسلك مسلك السلف الصالح، ذلك أنه في المقالات قال تحت باب: أقوال مثبتي أنه في مكان «وقال أهل السنة: ليس بجسم» (^٣). مع أن أهل السنة لا يقولون مثل هذه العبارات لا نفيًا ولا إثباتًا بل يفصلون القول بالمسألة.
_________________
(١) انظر الفصل ٢/ ٥٠.
(٢) انظر الفصل ٢/ ٥٠، ٥١.
(٣) انظر مقالات الإسلاميين ١/ ١٦٨.
[ ١٦٤ ]
قال شيخ الإسلام ﵀ إن لوازم نفاة الجسم أعظم من لوازم مثبتيه، فإن من نفاه يُقال عنه إنه يلزمه أن الله لا يُرى، وأن الله لا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، وأن الله ليس على العرش، وأنه لا يقوم به صفة (^١)، ثم قال متأخرو الأشعرية: يلزمه القول بأنه جسم، وكذلك كل من أثبت الرؤية يقول نُفاتها: وكثير ممن يثبتها أنه يلزمه القول بالتجسيم، وإن كان لا يقول بذلك (^٢)، وقال أيضًا: فكلام السلف والأئمة كثير مشهور في أن الجهمية وهم أول من نفى الجسم، وملازمه في الإسلام إنما هم معطلون في الحقيقة (^٣). وقال أيضًا: فإننا نعلم خلقًا من الجهمية الذين ينكرون الصفات، ويقولون هذا تجسيم والله ليس بجسم (^٤)، وقال أيضًا: ليس هناك قولًا مأثورًا لا من كتاب ولا عن رسول الله -ﷺ-، ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، فإنه ليس في هؤلاء من نفى ما ينفيه هؤلاء بلفظ الجسم (^٥)، وقال أيضًا: فلفظ المجسمة لا يوجد فيه ذكر في الكتاب والسنة، وكلام السلف والأئمة لا بمدح ولا بذم، ولا يوجد أيضًا ذم هذا المعنى
_________________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٦٢.
(٢) انظر بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٦٢.
(٣) انظر بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٦٦.
(٤) بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٨١.
(٥) انظر بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٨٧ بتصرف يسير.
[ ١٦٥ ]
الذي سمي تجسيمًا في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها (^١) وقال أيضًا: كلام السلف كثير مستفيض في ذم الجهمية والمعتزلة على نفي الصفات، ولم يعرف عن السلف ذم لهؤلاء الرافضة على ما يقال إنه التجسيم، ولا شاع عنهم من عيب الرافضة بذلك، ما شاع عنهم من عيب المعتزلة عن النفي، ولا يحفظ عن أحد من السلف ذم المجسمة، ولا ذم من يقول بالجسم، ولا نحو هذا أصلًا، فإذا كانوا متفقين على ذم الجهمية نفاة الصفات بنفي الجسم وملازمته، ولم يذموا أحدًا لخصوص كونه أثبت الجسم، ولم ينفه كما نفاه نفاة الجسم، على أن ذم هؤلاء ذم لا أصل له في الكتاب والسنة، ولا كلام أحد من سلف الأمة، وأن النفاة مذمومون بالكتاب والسنة والإجماع، نعم ذم السلف من كان يزيد في الإثبات على ما جاء في الكتاب والسنة من المشبهة والمجسمة، كما وجد هذا في كلام غير واحد من السلف ﵃، فيذموهم ذمًا خاصًا على ما زادوا من الباطل، وما وصفوا الله تعالى به، مما هو مُنَزَّهٌ عنه، وذموهم على التجسيم الذي ابتدعوه، وخالفوا به الكتاب والسنة، ولم يكن في كلامهم نفيًا عامًا وذمًا عامًا، كما يوجد في كلام النفاة (^٢). وقال أيضًا: من نفى الجسم من أهل الإثبات وأراد بنفيه ما يتضمنه من الباطل دون
_________________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٩٤ بتصرف يسير.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧ باختصار.
[ ١٦٦ ]
الحق لم يكن هذا مما يذم في العقل والدين (^١)، والخلاصة أن أهل السنة يفصلون في المسألة إزاء مثل هذه الألفاظ، ويستفسرون عن معناها، فإن أراد مُطْلقُها نفيًا أو إثباتًا معنى باطلًا كفهم المعتزلة، إن كل شئ حلت فيه الأعراض فهو جسم، ولذا نفوا الصفات عن الله ﷿ لاعتقادهم أن الصفات أعراض، فلو اتصف الله بها - عندهم - للزم من ذلك أن يكون جسمًا والله عندهم منزه عن الجسمية (^٢). ونفاه بسبب هذا الفهم الخاطئ للجسم الكلابية والأشاعرة لأنهم يرون أنها أعراض، والعرض لا يكون إلا في جسم (^٣). فأهل السنة يردون هذا القول، وإن أراد النافي أو المثبت معني صحيحًا موافقًا للشرع قبل قوله، ولكن يوضح له المعنى الشرعي والوقوف علي ما نص عليه الله ﷿ في كتابه أو بينه رسوله -ﷺ-؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية (^٤). وللأشعري في رسالته لأهل الثغر مخالفات لأهل السنة في مسألة القبيح والحسن، وبأن مصدرهم الشرع فقط (^٥). فهو نفى أن يكون للعقل دور في معرفة الحسن والقبيح
_________________
(١) المرجع السابق ٥/ ٤٥٢، وللمزيد انظر نفس المرجع ٥/ ٣٢٤ - ٤٠٤.
(٢) انظر شرح الطحاوية ٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) انظر رسالة الأشعري لأهل الثغر ٢١٨.
(٤) انظر قول المعتزلة في شرح الأصول الخمسة ص ٢٢٦ - ٢٢٩.
(٥) انظر رسالته لأهل الثغر ٢٤٣.
[ ١٦٧ ]
وقصرهما على الدليل الشرعي فقط، مع أن للعقل دورًا في معرفة الحسن والقبيح (^١). قلت: بالعقل تعرفُ أضرار النجاسات فهذا يدل اعتماد العقل في معرفة الحسن والقبيح إذا لم يعارض الشرع، والخلاصة أن الأشعري عند رجوعه مباشرة جاء بما فيه مخالفة صريحة لأهل السنة، وهذا يؤكد على أنه مر قبل رجوعه بمرحلة التوسط.
_________________
(١) انظر مدارج السالكين ١/ ١٨٢ ومفتاح دار السعادة ٢/ ١٣ ورسالة السجزي لأهل زبيد ٢٠٧ - ٢٠٩.
[ ١٦٨ ]