عزا بعض الباحثين سبب رجوع الأشعري إلى رغبته بأن يجمع بين الفقهاء والمحدثين، وبين أهل الكلام، رغبة منه في جمع الكلمة بعد اشتداد العداوة بين أهل الحديث وأهل الكلام، فقاده فكره إلى التحول عن الاعتزال مع استفادته منهم في بعض المسائل، وانضمامه لأهل الحديث. قال جلال موسى: الأشعري كان رجلًا ألْمعيًا ذا نظر ثاقب ورأي، رأى أن الفقهاء والمحدثين قصروا همتهم على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس، ورأى المتكلمين قصروا همتهم على الدفاع عن الدين ضد غوائل أعدائه، مستخدمين نفس أسلحتهم من الجدل والمنطق وتحكيم العقل وطرح النص جانبًا، وكان العداء بين الفريقين شديدًا، فساءل الأشعري نفسه: - وما الذي يمنع أن يكون المرء فقيهًا متكلمًا ويجمع بين الأمرين وهو ليس جمعًا بين متناقضين؟ وكما رأى المعتزلة تجعل العقل رائدًا والحنابلة تجعل النص رائدًا، فساءل نفسه: وهل
_________________
(١) انظر أبو الحسن وآراؤه الكلامية في اللمع ص ٢١.
[ ١٤٤ ]
هناك ما يمنع من الجمع بين الاثنين؟ (^١) ولذلك يقول الكوثري (^٢): إن الأشعري نشأ في ظروف حرجة تعاني منها الأمة، فغار الإمام أبو الحسن على ما حل بالمسلمين من ضروب النكال، فقام لنصر السنة، وقمع البدعة، فسعى أولًا للإصلاح بين الفريقين من الأُمة بإرجاعهما عن تطرفهما إلى الوسط العدل قائلًا للأولين: أنتم على الحق إذا كنتم تريدون بخلق القرآن اللفظ والتلاوة والرسم، وللآخرين: أنتم مصيبون إذا كان مقصودكم بالقديم: الصفة القائمة بذات الباري غير البائنة منه (^٣). قلت: هذا الذي يزعم الكوثري أنَّ الأشعري يُريد أن يجمع الناس عليه مذهبٌ باطل وهو أنّ كلام الله معنى واحد قائمٌ بذاته وأمّا ألفاظ القرآن وحروفه
_________________
(١) انظر: الأشعرية ١٨٦ باختصار.
(٢) هو محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، الحنفي، جدلي متكلم، ولد في القسطنطينية سنة ست وتسعين ومائتين بعد الألف للهجرة. عمل أستاذًا في جامعة استنبول، هرب أثناء الحرب العالمية خوفًا من أتاتورك إلى مصر، وظل متنقلًا بين مصر والشام، حتى استقر في دار المحفوظات بمصر، فترجم ما فيها من الوثائق التركية إلى العربية، له من المؤلفات عدد كثير، منها: تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب ويقصد بذلك الخطيب البغدادي - رحم الله الجميع ـ. وله كتاب آخر بعنوان الاستبصار في التحدث عن الجبر والاختيار، وله عدد من المقالات، توفي في القاهرة في عام ١٣٧١ هـ، وقع كثيرًا في شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وغيرهم. ومازالت آثار كتاباته موجودة. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي ٦/ ١٢٧ معجم المؤلفين ١٠/ ٤.
(٣) انظر تعليق الكوثري على تبيين كذب المفتري ص ٢٣ في الهامش.
[ ١٤٥ ]
فهي مخلوقة، يُعد خليطًا بين مذهب متأخري الأشاعرة ومذهب المعتزلة، وهذا التحليل عن الكوثري انتصار لما هو عليه من مذهب باطل. ولاشك بأن هذا التعليل للمتأمل عَليلٌ، والتعليل به غير مقبول إطلاقًا، فالأشعري - ﵀ - لم تكن مشكلته مع المعتزلة، وخلافه حول قضية خلق القرآن فقط، بل خلافه معهم في عشرات القضايا، بل حتى خلاف في مصادر التلقي الأساسية، كما أنه أعلن التخلي التام عن هذا المذهب الفاسد، بل ورد عليهم وقدح بهم على رؤوس الأشهاد. فهل الذي يريد التوفيق والإصلاح يسعى لإسقاط شيوخه من المعتزلة؟ وهل الذي يسعى للإصلاح يعلن تخليه التام عن ذلك المذهب الفاسد وعلى رؤوس الأشهاد؟ بل ويخلع ثيابه - إن صحت الرواية - دلالة على خلعه مذهبهم، بل في بعض الروايات يعلن أن لم يسلم إلا اليوم ثم يقال بأن الأشعري كان يريد التوسط، هذا قول غير مقبول ويفتقر إلى الأدلة. والغريب أن هذا القول وجد من يؤيده، فهذا أحدُ الباحثين يقول: إن الأشعري رأى أن طريقة المعتزلة ستؤدي بالإسلام إلى الدمار، كما أن طريقة المحدثين والمشبهة ستؤدي إلى الجمود والانهيار مع ما في ذلك من تفرقة كلمة الأمة وغرس بذور الشقاق بينها، وأنه من الخير لهذه الجماعة أن يلتقي العقليون والمنطقيون على مذهب وسط يُوَحِّدُ القلوب، ويعيد الوحدة إلى الصفوف
[ ١٤٦ ]
مع احترام النص والعقل معًا (^١). قلت: وما أدري! كيف قبلوا بهذا التعليل مع أنهم يرددون ويؤكدون بأن الأشعري قد انخلع من الاعتزال، وحجر المعتزلة في أقماع السمسم كما يعلنون؟! بل ويعلن أحدهم أن الأشعري وجد الأدلة متكافئة، فاستهدى الله، فهداه إلى منهجه، وأيده في طريقه برؤية رسوله -ﷺ- فمضى قدمًا وأخرج للناس مذهبًا جديدًا؟ تلقاه أغلبها بالقبول والاطمئنان (^٢). قلت: إن الإعلان بأن أبا الحسن أتى بمذهب جديد قدح به، وكافٍ لرد مذهبه لأن الإسلام قد كمل بوفاته -ﷺ- وليس بحاجة إلى إكمال، وهذا وحده كاف لرد مثل هذا السبب.