ذكر بعض خصوم الأشعري أنه ترك هذا المذهب لأنه لم يظفر عند العامة بسمو المنزلة وأظهر التوبة ليؤخذ عنه ويقبل عليه ويجعل له منزلة، فبلغ بذلك بعض ما أراد (^١) قلت: وهذا التعليل ذكره بعض خصومه من أجل إسقاطه، وقد رد ابن عساكر على هذا التعليل بقوله: «وقول من زعم أنه أظهر التوبة ليؤخذ عنه ويسمع ما يُلقى إلى المتعلمين منه، وتعلو منزلته عند العامة، فذلك مالا يصفه من يؤمن بالبعث يوم القيامة، كيف يستجيز مسلم أن يظهر ضد ما يبطن ويضمر خلاف ما يبدي ويعلن لاسيما فيما يتعلق بالاعتقادات (^٢)؟!
قلت: وهذه التهمة كسابقتها من التهم التي يريد أن يخلص من خلالها إلى أن مذهب أصحابها حقٌ، ولا يمكن أن يدعه إنسان إلا لأسباب خارجية، وإلا فمن المعلوم أنَّ أصحاب المذاهب غالبًا ما تنتشر مذاهبهم بعد سنين من وفاتهم وليس في حال الحياة كما صورها هذا القول، وهذه هي أهم الأسباب التي ذكرت حول سبب تركه لمذهب الاعتزال.
الترجيح:
لقد شغلت الأسباب التي أدت إلى ترك الأشعري مذهب الاعتزال
_________________
(١) انظر مثالب ابن أبي بشر ص ١٥٥، والتبيين ٣٨١.
(٢) انظر التبيين ص ٣٨٢.
[ ١٥١ ]
الباحثين في القديم والحديث، ولم يتفق جميع الباحثين على سبب واحد من بين الأسباب الكثيرة التي جُعلت سببًا لتحوله، فالمناظرات مثلًا أقنعت فئة ولم تقنع أخرى، وكذلك ا لرؤى المنامية وغيرها.
١ - فابن عساكر مثلًا بعد ما عرض عددًا من الأقوال، رأى بأن السبب الرئيس في تحوله هو اتباعه الحق لما بان له وترك ما عداه، دونما جعل سبب بعينه هو سبب التحول (^١).
٢ - أما عبد الرحمن بدوي، فيرى أن عدم وجود جواب شافٍ من أساتذته على أسئلته هو الأقرب للتصديق، وذلك لأنه عنده يبين ما يعقل وقوعه للأشعري. (^٢)
٣ - أما الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود فإنه يرى بأن كل ما ذكر لا يرقى أي منه إلى درجة اليقين، لأنه لم يرد عن الأشعري عن طريق صحيح، أو في أحد كتبه المعتمدة السبب المباشر عن تحوله ورجوعه، ثم قال: لذلك لابد من التماس ذلك في أكثر من سبب، علمًا بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الباطل إنما هو عودة إلى الهداية الموافقة للفطرة، وهو أمر يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فليس الأمر غريبًا أو مخالفًا للمعقول حتى يتلمس له السبب، والله أعلم (^٣).
٤ - في حين رجح محمود غرابه، بأن سبب الرجوع كان أمرًا دينيًا،
_________________
(١) انظر التبيين ص ٣٨٢.
(٢) انظر مذاهب الإسلاميين ٤٩٧.
(٣) انظر مواقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٧٧.
[ ١٥٢ ]
وهداية نبوية، وردت إليه في صورة رؤيا، وهي صدى لما أحسه أبوالحسن في نفسه من مشاكل نفسية وروحية (^١).
٥ - ورجح أحمد أمين كراهية الناس للمعتزلة بسبب ما صنعوه في الناس في قضية خلق القرآن (^٢).
الترجيح: أما الذي يترجح عندي في مسألة سبب تحوله، أنها ليست مقصورة على سبب واحد فقط بل عدة أسباب مجتمعة؛ حيث إن غالب الأسباب التي ذكرت لا تعارض بينها، فقد تكون حيرته هي السبب ثم عدم إجابة مشايخه في مرحلة الاعتزال على أسئلته التي حيرته والتي كان يظهر من خلالها عجز المعتزلة عن الإجابة عليها وزاد من ذلك تمجيدهم الزائد للعقل، فاضطر بعد ذلك لإجراء مناظرة مع شيخه، فانكشف له ضعف حجة شيخه، ثم تأكد عنده فساد مذهبهم من خلال الرؤيا التي رآها، فلا أجد ثمة تعارض بين غالب هذه الروايات، وبخاصة أن أوجه الجمع بينها ممكنة، أما ما ذكره المعتزلة من أسباب فمرفوضة جملة وتفصيلًا؛ لأنها ناشئة عن حقد وعداوة ناهيك عن افتقارها للأدلة والبراهين المؤيدة لها. والخلاصة: أن هذه الأسباب غير كافية لبيان سبب رجوع الرجل عن مذهبه الذي عاش عليه طويلًا وإنما السبب المقنع الذي يمكن قبوله هو بيان الحق له وهداية الله إياه وهو كغيره من الناس قد
_________________
(١) انظر أبو الحسن الأشعري ص ٦٣ - ٦٤ باختصار بسيط.
(٢) ظهر الإسلام ٤/ ٥٩.
[ ١٥٣ ]
يضل ثم يهتدي، وما كنت أرغب أن أعطي هذه القضية حيزًا كبيرًا لولا أن العلماء والباحثين في القديم والحديث قد اعتنوا بها، فأحببت جمع جميع هذه الأقوال في موضع واحد حتى يسهل للقارئ الاطلاع عليها، خاصة وأنني لم أجد من قام بجمعها في كتابٍ واحدٍ؛ بل هي متناثرة في بطون عشرات الكتب.
[ ١٥٤ ]